فن وثقافة

نوبل والجوع فى معرض فنان الشعب طه القرني

وليد محمد

أعربت الباحثة والناقدة الدكتورة ماجدة على، عن إعجابها الشديد بجدارية (الجوع) لفنان الشعب الدكتور طه القرني، وقالت إنه الذات الذائبة عشقاً لهُويته، ذلك المُبدع المفكر المهموم دوماً بقضايا وطنه وتوثيق هٌويتِه المصرية، يأتي كما عودنا بطرح جديد يثير الوجدان ويباغت العقل والتفكير، ما أن تقف أمام ولداته الفنية حتى تدخل في حالة من الصدمة والجدل بين مضمون وفلسفة العمل وجمالياته المتناغمة بين عناصر العمل وتكوينه وألوانه بين التناغم والتضاد المتآلف، لكني أمام ذلك العمل (نوبل/الجوع)، أرى بعداً جمالياً فلسفياً أعمق وأثرى، يأخذني العمل إلى البحث والتنقيب والتساؤل داخل النفس وأمانيها وأحلامها، بتحقيق واقع أقل ما نتمناه خالي من الضغوط والعذابات، واقع يسوده العدالة الإنسانية، ويجعلها أولى اهتماماتنا والحفاظ عليها مهما كلف الأمر، وفي أي مكان وزمان فهي إنسانيتنا أولى بالرعاية والاهتمام والبقاء، وتأتي بعد تأمينها أي شيء آخر من مكاسب أو أطماع أو طموح بالتطور والتقدم.

وأضافت الدكتورة ماجدة على، أن عنوان العمل الفني المطروح(نوبل/الجوع)، وتأكيد القرني، بختم الأعمال بشعار نوبل، كتأشيرة للإنطلاق للبحث عن المعنى المقصود، من تلك الرسالة المطروحة والتي تلقي الضوء بل تصرخ محذرة أين العدالة الإنسانية في العالم أجمع، رسالة تذكرنا بوصية ألفريد نوبل (تاجر الموت)، بمنح جائزة لمن قاموا بأكبر قدر أو أفضل عمل للتآخي بين الأمم من أجل الحفاظ على السلام وتعزيزه، وصور الفنان طه القرني الإنسان في حالة (الجوع)، لينذرنا بتوخي الحذر حتى لا نصل لتلك الصورة التي كانت أمراً مفعولاً (الجوع) عنوان العمل، هل يقصد بالجوع هي تلك النتيجة التي علينا أن نتحرك وندرك الخطر ونحاول إصلاحها، أم يقصد من أجل السلامة علينا بالوقاية، والعمل قبل أن نصل إلى تلك الفاجعة التي ليس بعدها (بعد).

وتابعت : أما عن (نوبل) (تاجر الموت)، الذي أدرك (بعد) وتدارك المأساة التي شارك وساهم في صنعها، أنه علينا أن نتوقف ونسعى من أجل تحقيق السلام. بل ويزيد منحه جائزة عظيمة، فهل الإنسانية والسلام الإنساني، عمل يستحق جائزة لمن يسعى لتحقيقه، السلام فرض ياسادة، والإنسانية حق، ومن يحيد عنهما وجب عليه أشد العقاب بل النسف، ويطرح المبدع طه القرني، بجداريته (الجوع) وهي جدارية تصوير على توال بألوان الزيت يصل طولها إلى (١٠م × ٢م)، تساؤلاً خطيراً بل جدلية تعنينا وتهمنا جميعاً وعلينا الإجتهاد للوصول لإجابة، متى نطالب بالسلام الإنساني وتحقيقه (قبل أم بعد)، كيف نقي الإنسان والإنسانية شر الآتي من مآسي وعذابات، ومن ما؟ الجفاف الذي تسببه نقص المياه العذبة التي عليها يحيا الإنسان فكلنا نعلم أن نسبة الكرة الأرضية من المياه المالحة (70%)، و(3%) فقط المياه العذبة، والتصور بزيادة عدد السكان كيف تتم المعادلة زيادة ونمو استهلاك نفس نسبة المياه، لأعداد مضاعفة مستقبلاً، ماذا نعمل لدرء الفقر المدقع الذي يهدد البشرية نتيجة لنقص المياه والموارد الطبيعية نظير زيادة الموارد البشرية، ماذا نعمل أمام الأطماع السياسية والإقتصادية التي تواجهها الدول الفقيرة إذاء الدول المسيطرة ذات النفوذ السياسي والإقتصادي، فقارة إفريقيا مثلاً بما تملك من موارد طبيعية ومعادن نفيسة، تستغل وينهب خيرها لصالح القوى الأخرى المسيطرة والمهيمنة، كيف نحافظ على حياة تلك الشعوب بشكل آمن ومستقر، ايحيا انسان على حساب حياة أخيه الإنسان، ويتركه يموت بالبطئ ويجف كما تجف الأرض الظمأى وتبور، دونما رحمة، الرحمة التي لا يمكن أن توصد في وجهها أي حدود وطنية.

وأشارت الناقدة الفنية ماجدة على، إلى أن دراما العمل في تصوير (نوبل/الجوع)، يدعو للنهوض والوقاية خير سلاح من العلاج، فهل يتأتى السلام وإنعدام الإنسانية ؟، في ذلك العمل المصور، أتى بالشخوص وهي في نزعها الأخير، صورها في حالة من الجفاف البدني، وكأنها جثث أجسادها فارقت الحياة إلا من بصيص أمل، وأكد على ذلك بألوانه الخالية من البهجة والحياة، مؤكداً ذلك بلون الخلفية التي جاءت رمادية مشققة خالية من الحياة هي الأخرى، جافة فقدت سر الحياة، تلك الهياكل البشرية تأخذني وجوهها، وتتابعني أينما ذهبت، فبعضها غاضب وبعضها يسود على ملامحها اللامبالاة إلا من انتظار بعض القوت، ربما اليأس، ربما لديه أمل ما، تتحرك معي أينما ذهبت وهي ممسكة بصحن فارغ لامع له بريق الذهب الذي لا يغني صاحبه ولا يثمن من جوع ولا يروي ظمأ، خالي حتى من آثار أو فتات (قوت/طعام) سابق، وكأن تلك الوجوه تحاورني تجادلني تحاسبني، وتتوسل إلي لا تتدعوني أصل إلى هذه الحالة تحركوا قبل أن ألفظ أنفاسي الأخيرة، قبل أن يكون (الجوع) أمراً مفعولاً، حالة الجفاف التي صورها الفنان طه القرني، شخوص درامية عنيفة، ذلك الطرح لهو بمثابة ناقوس وجرس تنبيه لدرء المشكلة قبل حدوثها، أيقتل الأخ أخاه دفاعاً عن النفس أم من أجل مطامع في الرزق من مياه وطعام، الجفاف الذي نراه فى العمل، هو رمز لجفاف مشاعرنا وانعدام إنسانيتنا وجمود الرحمة، نحن نحارب ونقاتل الوحوش من أجل البقاء لا نقاتل ونحارب أنفسنا من أجل استعجال فناءنا.

وذكرت الباحثة ماجدة على، أن الأعمال التصويرية (نوبل/الجوع) هي دعوة للتأمل والتفكر بل لإتخاذ قرار عملي فيما يتعلق بتحقيق أهداف السلام والحفاظ على الأنسانية، عمل فني يضع أمامنا تصورا مرفوضاً لما (بعد) ولا يتمنى أحد أن يكون داخل الصورة/المشهد مفعولا به، ونصبح هكذا (بعد)، أم ماذا؟، تلك الأعمال الفنية هي دعوة لدرء حدوث أمراً لا نتمنى أن يكون مفعولاً، ونصبح مثلهم لا حول لنا ولا قوة، ننتظر الرحمة والمساعدة والعون من صانع المآساة، حتى يتذكرونا بالحديث عن الإنسانية ويصبحوا أبطال حينما يرمون ألينا بصحون بها بعض الفتات من القوت هيهات لا يفيد الندم (بعد) فوات الأوان و(بعد) الخسارة، واختار طه القرني عناصر درامية قاسية لا حول لها ولا قوة، واختار اللون الغامق لبشرتهم ليس للتعبير عن فئة أو جنسية معينة من البشر لكن تعبيراً عن القهر وانعدام الإنسانية والمسؤلية وجفاف الرحمة، وسيادة الطغيان والعنف من أجل تحقيق مكاسب وأطماع سياسية على حساب الإنسانية دون مراعاة ولا شفقة (سياستهم قتلت انسانيتهم)، استخدام الفنان للصحون الذهبية الفارغة تعبيراً عن (الإنعدام، اللاشئ، الغياب، الأمل المنشود، الألم، المرض، الاحتياج)، التخلي عن كل شيء إلا من حفنة ماء أو فتات خبز، نوبل أراد السلام لأنه تاجر الموت، الذي فعل ولمس بنفسه أن مكاسبه العظيمة المادية وانتصاراته ما هي إلا انتصار على الإنسان وانسانيته، فكانت مكاسبه أعظم خسارة، من أراد السلام فليزرع العدل والرحمة والإنسانية، ويحارب أي شيء يحول دونما ذلك .

يشار إلى أن معرض “جدارية الجوع” لفنان الشعب الدكتور طه القرنى، يقام فى الفترة من 3 حتى 28 أكتوبر الجارى، بقاعة آزاد بالزمالك .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى