منوعات

مصر قادمة بقوة

بقلم : عبدالرحيم حشمت عسيري . المحامي

كنا نظن حتى وقت قريب أن تاريخ مصر الحضاري ، وموقعها الجغرافي ، وثقلها السكاني ، ودورها الريادي .. جعل منها قاطرة مصيرية للأمة العربية في مراحلها التاريخية المختلفة .. فأينما ولت وجهها في مرحلة مفصلية معينة لحقت بها هذه الأمة في التو واللحظة ، وأينما وقفت تراصت خلفها الدول العربية الشقيقة الواحدة تلو الأخرى … وعليه إن نهضت مصر نهضت هذه الأمة … وإذا سقطت سقط العرب جميعا من المحيط الأطلسي غربا إلى الخليج العربي شرقا دون مقاومة … وهو ما أكد عليه أحد الزعماء العرب حينما صرح عقب ثورة 30 يونيو 2013 م الشعبية الخالدة في معرض إجابته على أحد الأسئلة الصحفية عن الدعم العربي لمصر عقب الثورة مباشرة …. بقوله “في الحقيقة نحن ندعم بلادنا من خلال دعمنا لمصر العروبة … ذلك لأنه إذا انهارت مصر ستنهار بالتبعية عروش ست دول عربية على الأقل في لمح البصر ….. ولا شك سيتبعها بعد ذلك انهيار بقية الدول العربية الأخرى مهما طال الزمن ، وإذا حدث ذلك فلن تقوم لهذه الأمة بعد ذلك قائمة” .
لكن بعد أزمة السفينة البنمية العملاقة “إيفر غيفن” التي جنحت في قناة السويس ، ثم دارت حول نفسها حتى غرست في ضفتيها …. مما أدى إلى انسداد القناة ، وتعطل حركة الملاحة قرابة أسبوع .. وما ترتب على ذلك من تكدس السفن في جنوب القناة وشمالها ، إضافة إلى طابور طويل عريض من السفن المنتظرة في عرض المياه الدولية … من الهند شرقا وحتى إيطاليا غربا ، مما أدى إلى شلل تام في حركة التجارة العالمية .. وما ترتب عليه من ارتفاع الأسعار ، وقلق ومخاوف وارتباك ، وخسائر مالية فادحة تقدر بالمليارات .
أقول بعد أزمة السفينة الجانحة .. وتعويمها بهذه السرعة غير المتوقعة بحرفية غير مسبوقة ، وعودة الملاحة بعقول وسواعد مصرية خالصة …. أظهرت للعالم كله قدرتها الفائقة على إدارة هذه الأزمة منفردة بمنتهى الانضباط ، والمسئولية ، والهمة …. أدركنا أهمية دور قناة السويس في استمرار وسرعة دوران حركة التجارة العالمية ، وأنها ليست مجرد ممر مائي يربط بين البحر الأبيض المتوسط شمالا والبحر الأحمر جنوبا .. بل إن أهميتها تتعدى ذلك بكثير حيث أنها الممر المائي الآمن الوحيد الذي يوفر الوقت والجهد والمال ، لذلك لا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال ، ولا يمكن استحداث بديلا عنها بنفس ما تتمتع به من مميزات مهما كانت المحاولات ….. كما أدركنا بعد هذه الأزمة أيضا وهذا هو الأهم والأعم والأشمل أن مصر قادمة بقوة …. وأنها ليست – كما كنا نظن – قاطرة لهذه الأمة فحسب ، وليست رمانة لميزان هذه المنطقة ليس إلا ، وليست دولة مهمة لاستقرار دول العالم قاطبة وكفى … بل إن دورها في الماضي والحاضر والمستقبل .. أكبر مما تقدم ، وأخطر مما كنا نتصور ، وأن القادم أفضل وأهم وأعظم .
والأهم مما سبق هو نجاح الرئيس عبدالفتاح السيسي .. بذكائه السياسي المعهود ، وأسلوبه المخابراتي المعروف في تحويل هذه الأزمة من محنة إلى منحة … في تصريحه الإعلامي المنشور بالصوت والصورة …….. حينما ربط بين هذ الأزمة ، وبين سد النهضة .. محذرا من مغبة التعدي على حقوقنا التاريخية في مياه نهر النيل الواردة في الاتفاقيات الدولية …. ومهددا باستخدام القوة العسكرية إذا لم تنجح المفاوضات السلمية في المحافظة على حقوقنا المائية … ومطالبا المجتمع الدولي (قادة ، وحكومات ، وشعوبا ، ومنظمات) بالقيام بواجباته الأممية …. مؤكدا على أن حماية مصالح المنطقة لا بل مصالح العالم كله مرهونا باستقرار مصر قبل أي شيء آخر …… وهذا معناه أن استقرار العالم كله يبدأ باستقرار مصر أولا .. وهذا ليس غريبا فمصر هي التي تضمن استمرار حركة الملاحة الدولية .. في الوقت الذي تحارب فيه الإرهاب ، والتخلف ، والرجعية …. وتأوي 12 مليون لاجئ على أراضيها منهم ثمانية ملايين لاجئ من الشعوب العربية …. وتمنع قوافل الهجرة غير الشرعية إلى الدول الأوربية .. وإلا اشتعلت المنطقة ، وتحولت إلى بؤرة من الإرهاب والفوضى …. وباختصار شديد فلننظر جميعا كيف أن مجرد خلل فني ، أو خطأ بشري ، أو تقلب جوي …. أدى إلى جنوح إحدى السفن فتعطلت حركة الملاحة في القناة لبضعة أيام … وأصيبت مصالح العالم كله بالشلل التام ….. فماذا لو نشبت الحرب بين مصر وأثيوبيا ، وانتشر الإرهاب ، وعمت الفوضى نتيجة لذلك ، وتعطلت حركة الملاحة .. بسبب عمل إرهابي ، أو قصف عدواني .. وما أن انتهي التصريح الإعلامي حتى توالت التصريحات العربية ، والإقليمية ، والدولية .. المؤيدة لمصر (قيادة ، وجيشا ، وشعبا) …. في الدفاع عن حقوقها المشروعة بكل ما أوتيت من قوة ، وبكافة الطرق والوسائل الممكنة .
أما أمريكا راعية الإرهاب الأولى … التي ترفع راية الاستعمار والهيمنة … فكان لها موقفا عدائيا …. حيث لم تكتف بانحيازها لأثيوبيا …. بل هددت مصر ، وحذرت من ضرب السد ، وادعت كذبا وبهتانا بأنها تتحدث باسم المجتمع الدولي …. وهذا ليس غريبا على دولة تنتهج سياسة البلطجة .. واقتصادها يقوم على الابتزاز وإثارة الفتن وتجارة الأسلحة … وتستخدم وقت الضرورة مشاكل الأقليات ، وحقوق الإنسان ، وقضايا الحريات كأوراق ضغط لتمرير مصالحها الخاصة …. لكن ما هو السبب الحقيقي الذي جعل الإدارة الأمريكية وتحديدا قادة الحزب الديمقراطي يضمرون لنا هذه الكراهية …… ويعملون على تعطيل مسيرتنا التنموية .. ويناصبونا هذا العداء غير العادي ؟ …… ربما لأن ثورتنا في 30 يونيو 2013 م أفشلت مخططاتهم الاستعمارية .. وربما لأن تصميمنا على تنويع مصادر أسلحتنا مثل خطرا حقيقيا على طفلتهم المدللة ، وضيع عليهم مكاسب طائلة فأصيب قادتهم بلوثة عقلية لن يفيقوا منها إلا بعدما ننسف سد النهضة ولا نحتاج لتحقيق ذلك سوى توحيد جبهتنا الداخلية ، والوقوف صفا واحدا خلف القائد البطل عبدالفتاح السيسي .
وخلاصة القول وبلا أدنى مبالغة .. تؤكد جميع المشاهد الحية ذات الصلة التي تقع على هذه الكرة على أن مصر قادمة بقوة .. ومن كان لديه أدنى شك في هذه الحقيقة فما عليه إلا أن يتحسس موضع قدمه ، ثم ينظر حوله ، ويشاهد بأم عينه .. على سبيل المثال وليس الحصر ما آلت إليه الأحوال في تركيا خلال الأيام القليلة الفائتة .. بعد الانهيار المفاجئ لأوضاعها السياسية والأمنية والاقتصادية .. في عهد أردوغان أمير المغفلين ، وزعيم الخونة والعملاء والمأجورين .. الأمر الذي جعله يركع لأسياده المصريين ويتوسل لهم .. بأن يرحموا ضعفه وقلة حيلته ، ويصفحوا عنه ، ويغفروا له زلاته ، وما تقدم من غدره ، وخيانته ، وغطرسته ، وتجاوزاته …… وجاءه الرد بسرعة “توسلاتك مرفوضة ولا عودة للعلاقات مع تركيا إلا بشروطنا” .. إمضاء الزعيم المصري العظيم عبدالفتاح السيسي .
وبينما تتوالى على أسماعنا الأخبار عن حالة التردي التي تشهدها تركيا ….. يحتفل الشعب المصري بحضور الزعيم عبدالفتاح السيسي .. بعظمة وتاريخ مصر وحاضرها ومستقبلها ، بل والعالم بأسره يحتفل معنا بعظمة أم الدنيا وهو يشاهد على الهواء مباشرة برهبة وإجلال وتقدير وإكبار .. مسيرة الموكب الفرعوني المهيب لمومياوات 22 من ملوك مصر السابقين .. في رحلتهم الذهبية غير المسبوقة في تاريخ البشرية ….. من المتحف المصري في ميدان التحرير … إلى المتحف القومي للحضارة المصرية في مدينة الفسطاط الجديدة التابعة لحي مصر القديمة .. في مشهد حضاري فريد من نوعه لم يحدث من قبل ولن يحدث مثيلا له من بعد في أية دولة أخرى …. عاشت القيادات التي فكرت ، والأيادي التي خططت ، والجهات التي نفذت هذا الإنجاز العظيم .. الذي يخلب العقول ، ويأسر القلوب ، ويدعونا إلى التفاخر بحضارتنا الفرعونية التي سادت الدنيا آلاف السنين .. ويحمل بين طياته العديد من الأهداف الاستراتيجية غير المعلنة منها جذب الاستثمار ، وانعاش الاقتصاد ، وتنشيط السياحة ، ولا يخلو من الرسائل السياسية الموجهة ….. لعل أهمها أن مصر قادمة بقوة شاء من شاء وأبى من أبى ، مصر قادمة لتضيف لتاريخ البشرية إن لم تغيره بالمرة ، كما فعل من قبل أجدادنا الفراعنة .. رغم حقد الحاقدين ، وكيد الكائدين ، وتآمر المتآمرين .

عبدالله رجب الشريف

كاتب صحفي حر عاشق تراب الوطن مبدع في بلاط صاحبة الجلالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى