مقالات

قرموط البحيرة

بقلم/ أحمد عيسى

في مياه الأنهار العذبة كبيرها وصغيرها، تنمو أسماك الجري أو السلوريات المعروفة بالقراميط، وهي أسماك نهريّة من ليِّنات الزَّعانف ذات جُلود سمراء لَزِجة، ولحومٍ حمراء غير مستساغة لدى كثيرٍ من الناس.
تتميز هذه الأسماك عن غيرها بأنها تمتلك طبقة عَظْمِيّة تغطي جلدها عوضاً من القشور والحراشف، وتعيش في البحيرات الكبيرة والصغيرة والدافئة، والأنهار العميقة الجارية، ومجاري المياه بطيئة التدفق والراكدة.
وتفضل القراميط البقاء في أماكن محمية مُحصَّنة، مثل الحُفَر في قاع التُّرع والأنهار ذات الأشجار المغمورة والمُعمّرة.
وإلى قصتنا..
على شاطئ ترعة تحفها أشجار ضَرَبَتْ جذورها في قاع الماء، كان يسبح قرموط في أمنٍ وأمان سرعان ما أورثاه زَهْواً وخُيلاء، فبدا لهذا القرموط أن يصطحب أبناءه في رحلة استكشافية تعليمية، يعلمهم خلالها أصول “القرمطة” وفنون الزوغان.
نادى القرموط على أبنائه من جيل الشُّبَان، ثم قادهم تسبقه شواربه إلى قاع البحيرة، ثم إلى أصول الشجر الضاربة في الطين، بين الحُفَر والنتوءات الصخرية والكهوف الصغيرة العَصِيَّة، ثم اصطحبهم إلى رحلة خارج حدود الوطن.. ليدور هذا الحديث:
القرموط: حياتُنا آمنة بين الكُهوفِ والحُفَر.
الشُّبَان: نمرح سابحين تحوطُنا أشلاءٌ وجِيَف.
القرموط: إذا رأيتم سنَّارة فدققوها بالنَّظَر.
الشُّبَان: ونترك وليمةً جاءتنا من دون تَعَب؟!
القرموط: لا تتركوها لكن تناولوها دوماً بحَذَر.
الشُّبَان: كيف ذاك يا أبانا عَلِّمْنا.. ما الأمر والخَبَر؟
القرموط: انهشوها عن يمين واتقوا منها الخَطَر.
الشُّبَان: فإن انتهى منها اليمين وزايلها وانشَطَر؟
القرموط: فعن شمالٍ إذن عاودوا نَهْسَ باقي الهُبَر.
الشُّبَان: فإن انتهى يَمِينٌ وشِمَالٌ وبَقِي لنا الوَسَط؟
القرموط: لا تقربوا منه شيئاً وعنه بالنفس اهرُبوا!
الشُّبَان: وإن رأينا صندوقَ حديدٍ في زاوية أو ناحية؟
القرموط: لا تدخلوا شيئاً أبداً لا يلوح منه المخْرَج.
الشُّبَان: ألا نعود يا أبانا فقد طال بنا نَأْيٌ وسَفَر؟
وأثناء التفاف القرموط للعودة والإياب إلى مهبط الرأس وأرض الوطن، يُلقي صيَّاد من مركبه على سرب القراميط شِبَاكاً ضيقة الثقوب، طويلة الخيوط، دقيقة الإحكام والنسج سابغة.
الشُّبَان: وماذا إن كانت شِباكٌ يا أبانا هي الخَطَر؟!
القرموط: لا مَنْجَى منها ولا مَعْدَى.. لا مفرَّ ولا هَرَب.
الشُّبَان: ولِمَ أخذتنا جميعاً صَوْبَ دُهَاةِ البَّشَر؟
القرموط: سَبَقَ السَّيْفُ العَذَل.. إنه القَضَاءُ والقَدَر!!

عبدالله رجب الشريف

كاتب صحفي حر عاشق تراب الوطن مبدع في بلاط صاحبة الجلالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى