أخبار السفارات

قاراباغ: النصر عسكريًا وسياسيًا

متابعة : عبدالله رجب الشريف

حققت أذربيجان العام المنصرم نصرًا مؤزرًا استعادت به أراضيها المحتلة منذ ثلاثة عقود، فكانت قاراباغ عنوانًا للإرادة الوطنية الأذربيجانية التي عبرت عن وحدتها وتماسكها في معركة مصيرية كان عنوانها “قاراباغ لنا، قاراباغ هي أذربيجان!”، فكان النصر عسكريًا بمعركة أظهرت الكفاءات القتالية للجيش الأذربيجاني الذى قاتل منفردًا، بدعم معنوي ومساندة سياسية من مختلف بلدان العالم الذين رأوا أن المعركة الأذربيجانية معركة شرعية فى إطار قواعد القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، وقد تلازم مع هذا النصر العسكرى نصرًا سياسيًا في استعادة العديد من المدن المحتلة دون خوض المعارك حينما استسلمت أرمينيا أمام القوة الأذربيجانية صاحبة الحق في استعادة أراضيها.
وقد ظهرت قدرة القوات المسلحة للطرفين قبل الحرب في الجدول أدناه استناداً إلى العوامل التي تمت ملاحظتها في مؤشر “قوة النيران العالمية-2020″، (https://www.globalfirepower.com/country-military-strength-detail.php?country_id=azerbaijan)
إن مسيرة النصر لجيشنا المجيد بقيادة الرئيس، القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلـهام علييف، ضمنت الانتصار التاريخي لأذربيجان. احتفل شعبنا، عن حق، بتحرير أراضينا المحتلة لما يقرب من 30 عامًا، واستعادة العدالة التاريخية ووحدة أراضي بلدنا.
إذا ما أمعنا النظر في الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، سوف نجد الأبعاد المحددة للحرب تتجسد كالآتي:
1. على مستوى القدرات الاقتصادية، يبدو الفارق بين البلدين كبيرًا، وذلك بفضل الثروات الطاقية (من نفط وغاز) التي تتمتع بها أذربيجان في بحر قزوين. بلغ الناتج المحلي الإجمالي الأذربيجاني (تعادل القوة الشرائية) في سنة 2019 أكثر من150 مليار دولار في حين أن نظيره الأرمني لم يتجاوز 43 مليار دولار. الفارق يبدو أكبر إذا ما تحدثنا عن نسب الفقر والبطالة في الدولتين، حيث بلغت نسبة الفقر في أذربيجان سنة 2019، 5% بينما ترتفع هذه النسبة في أرمينيا إلى قرابة 25% وذلك حسب البنك الآسيوي للتنمية. أما فيما يخص نسبة البطالة، فهي تترواح في حدود 5% في أذربيجان بينما ترتفع إلى أكثر من 16% في أرمينيا، وذلك وفق تقديرات سنة 2020.
2. على مستوى القدرات التكنولوجية، كان التنوع التكنولوجي أحد أهم عوامل انتصار أذربيجان في الحرب، فالهوة التقنية بين الجيشين المتحاربين كانت واضحة وجلية، حيث شاهدنا طائرات الدرون الأذربيجانية وهي تضرب بقوة مدرعات ودبابات الجيش الأرميني في حين أن هذا الأخير كان يحارب بمعدات عسكرية سوفيتية خارجة عن العصر، ولم تنفعه تحصيناته وخنادقه في شيء، وقد قدرت قيمة المعدات التي تم تدميرها من قبل الطيران الأذربيجاني بأكثر من ملياري دولار.
ويبدو من ذلك أن جمهورية أذربيجان أقوى بكثير في مقارنة قوة الطرفين على أساس العوامل الواردة في مؤشر “قوة النيران العالمية-2020. ولهذا لم يسمح الجيش الأذربيجاني بتحقيق نية الأرمن في استخدام المعدات السرية ودمر معظم المعدات التي أحضروها إلى ساحة المعركة واستولى على بعضها كغنائم. إذا لم يكن هناك فرق كبير بين الطرفين من حيث القوة العسكرية، فمن المرجح جدًا أن يفوز الجانب المتفوق من الناحية التكنولوجية. من وجهة النظر هذه، كان أحد الأسباب الرئيسية لانتصار أذربيجان هو وجود أنظمة أسلحة عالية التقنية في ترسانة جيشنا والتي لم يتم تقييمها بشكل صحيح من قبل الجانب الآخر.
لعل المؤشر الأهم الذي يمكن أن يعطينا صورة دقيقة للنتائج العسكرية التي ترتبت على الجولة الأخيرة من المعارك في إقليم قاراباغ الجبلي، هو الخلل الكبير في ميزان الخسائر التي تكبدها كلا الطرفين، بحيث يتضح من خلال مطالعة هذه الخسائر بشكل تفصيلي حجم الخسائر التي تكبدها الجيش الأرمني في معداته ودفاعاته الجوية، وهذه هي السّمة الأساسية لهذه الجولة من المعارك، والسبب الرئيسي في إنتهاء المعارك على الأرض بشكل كبير لصالح الجيش الأذربيجاني.
وفيما يتعلق بخسائر الجيش الأرميني الموثقة بصور أو تسجيلات مصورة، فقد خسر 221 دبابة من نوع “تي 72” من نسخ متعددة، بواقع 135 دبابة تم تدميرها بشكل كامل، و86 دبابة تضررت جزئيًا أو تم الاستيلاء عليها. يضاف إلى ذلك 128 ناقلة جند وعربة قتال مدرعة، منها 56 عربة تم تدميرها، و78 عربة تم الاستيلاء عليها، إلى جانب 200 قطعة مدفعية مقطورة وذاتية الحركة، منها 135 قطعة تم تدميرها بالكامل، و76 راجمة مدفعية صاروخية، ومنصة واحدة لإطلاق صواريخ “سكود”، و39 مدفع هاون من أعيرة مختلفة، ونحو 536 شاحنة وعربة متنوعة الأغراض، ومروحية واحدة من نوع “مي 8″، وقاذفة من نوع “سوخوي 25”.
والبند اللافت في هذه الخسائر كان يتعلّق بالدفاع الجوي، فقد خسرت القوات الأرمينية 33 منظومة للدفاع الجوي، من بينها 7 منظومات ذاتية الحركة للمدفعية المضادة للطائرات من نوع “شيلكا”، و3 منظومات ذاتية الحركة من نوع “ستريلا 10″، و15 منظومة من نوع “أوسا”، ومنظومة واحدة من نوع “تور أم”، و3 قواذف ذاتية الحركة من نوع “سام 6″، و4 قواذف من منظومة الدفاع الجوي الرئيسية في الجيش الأرميني، وهي منظومة “أس-300″، ويضاف إلى ذلك 13 رادارًا خاصًا في كل هذه المنظومات. من البنود اللافتة أيضًا، فقدان الجيش الأرميني منظومة “ريبيلينت-1” الروسية الصنع المتخصصة في التشويش على الطائرات من دون طيار، ومنظومة الإعاقة والتشويش المجنزرة “بيراميدا”.
يعود السبب الرئيسي في الخسائر الأرمينية إلى استخدام الجيش الأذربيجاني استراتيجية جوية ناجحة جدًا، شلت من جهة القدرات الأرمينية المدرعة، ومن جهة أخرى حيّدت الدفاعات الجوية الموجودة في الإقليم. ارتكزت هذه الاستراتيجية على استخدام متزامن لثلاثة أنواع من الوسائط الجوية، وهي الطائرات الهدفية، والطائرات الاستطلاعية من دون طيار، والذخائر الجوالة.
ومن هنا، نؤكد مرة أخرى أن تطبيق استراتيجية جديدة في التاريخ العسكري لأذربيجان، باستخدام أحدث الأسلحة، وكذلك الحد الأدنى من الخسائر، في فترة قصيرة من الزمن دمرت معظم المعدات العسكرية للعدو، ووجه ضربة قوية للقوى البشرية، حيث ستؤدي عملية التحرير الاحترافية التي قام بها الجيش الأذربيجاني إلى تغييرات جادة في عقيدة الحروب في جميع أنحاء العالم.

عبدالله رجب الشريف

كاتب صحفي حر عاشق تراب الوطن مبدع في بلاط صاحبة الجلالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى