منوعات

رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن نضال المرأة المصرية

 

بقلم \ الكاتب و المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
رئيس تحرير جريدة الأمة العربية والمدير التنفيذى لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا
مما لاشك فيه أن الميراث الحضارى لكل أمة يؤثر فى تطور رؤية المجتمع للمرأة ولتعليمها ولدورها السياسى والاقتصادى والاجتماعي. كذلك فإن طبيعة علاقة الدين بالدولة تؤثر بصورة قوية على نظرة الدولة لدور المرأة وتعليمها ومشاركتها مع الرجل على قدم المساواة فى جميع المجالات، وعلى مساعيها لتطوير هذا الدور، أو تجميده، أو تحجيمه.
أما التغيرات فى ترتيب قيمة العلم والتعليم والعدالة فى المنظومة القيمية للمجتمع، فتنعكس على قضية تعليم المرأة. فأى تراجع فى هذه القيم ينعكس على المرأة بصورة مضاعفة نتيجة الأولوية الذكورية فى المجتمعات المحافظة والفرص الأكبر للذكور فى الأعمال التى تعتمد على القوة البدنية وليس على المهارات التى تكونت من التعليم.
كما أن تركيز الإنفاق الاستثمارى الحكومى على مشروعات البنية الأساسية يجعل فرص العمل المتاحة فى هذه المشروعات متحيزة لغير المتعلمين والأقل حظا من التعليم، ومتحيزة بشكل حاسم ضد النساء لأنها أعمال تتطلب مقدرة بدنية ذكورية, وبالتالى فإنها تشكل بيئة غير مشجعة على تعليم وعمل المرأة. ومع تراجع الدور الاقتصادى والعلمى للمرأة داخل الأسرة تتراجع مكانتها وتتدنى النظرة إليها.
كما تتسم فترات الأزمات الاقتصادية وتزايد معدلات البطالة وما يترافق معها من صراع على فرص العمل المحدودة، بأنها تشهد تكثيفا للتمييز ضد المرأة خاصة فيما يتعلق بالتعليم ودخول المتعلمات إلى سوق العمل. وذلك على الرغم من أن وجود نساء مُعيلات لأسرهن بأعداد كبيرة، يضاعف من أهمية تعليم المرأة لتحسين حظوظها فى سوق العمل وعائدها المحتمل منه وقدرتها على إعالة أسرتها وتوفير حياة كريمة لها.
نساء من القرنين الماضيين..رموز عظمى للنضال والتنوير
خاض الرواد الأوائل للتعليم فى مصر كفاحا حقيقيا من أجل نشر التعليم عموما، وتعليم المرأة بصفة خاصة، فى مجتمعات محافظة، منذ ما يقرب من قرنين من الزمان. وذلك الكفاح صنع جزءا مهما من ريادة مصر عربيا وعالميا فى هذا الشأن. فلم تكن مصر سابقة للدول العربية فقط، بل كانت تسبق الغالبية الساحقة من الدول النامية، بل سبقت بعض دول جنوب شرق أوروبا.
وصحيح أن بعض النساء من أبناء الطبقات العليا كن يتعلمن فى بيوتهن على مر الزمن، إلا أن التعليم فى المدارس بالمعنى الحديث بدأ قبل نحو مائة وثمانية وسبعين عاما من الزمن. ففى عام 1832 تم إنشاء مدرسة حكومية هى مدرسة المُولدات لتخريج نساء لديهن القدرة على تقديم الخدمات الطبية للنساء. وكان الطبيب الفرنسى كلوت بك يشرف عليها. وتلتها بعد فترة طويلة مدرسة حكومية أخرى هى مدرسة السيوفية للبنات التى تم إنشاؤها عام 1873 بمساعدة مالية حاسمة من زوجة الخديو إسماعيل. وتغير اسم المدرسة بعد ذلك إلى المدرسة السنية للبنات وهى أشهر مدارس البنات فى تاريخ مصر التعليمي، وكانت تمنح شهادة إتمام التعليم الابتدائي، وشهادة المعلمات. وقد جاءت نشأة تلك المدرسة بعد وقت قصير من صدور كتاب «المرشد الأمين فى تعليم البنات والبنين» لأحد أعظم رواد التنوير فى مصر: رفاعة رافع الطهطاوي. وكان الطهطاوى قد دعا فى كتابه إلى ضرورة «صرف الهمة فى تعليم البنات والصبيان معا لحسن معاشرة الأزواج، فتتعلم البنات القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك، فإن هذا مما يزيدهن أدبا وعقلا، ويجعلهن بالمعارف أهلا ويصلحهن لمشاركة الرجال فى الكلام والرأى فيعظمن فى قلوبهم ويعظم مقامهن«. وأكد الطهطاوى أن »التعليم يمكن المرأة عند اقتضاء الحال، أن تتعاطى من الأشغال ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها وطاقتها«.
وخلافا لهاتين المدرستين الحكوميتين، كانت هناك مدارس الجاليات الأجنبية والإرساليات، وهى مدارس خاصة للبنات، لم تُقبل عليها المصريات. وكان هناك مدارس ذات صبغة دينية مثل المدرسة التى أنشأتها الجمعيات القبطية عام 1860 لمواجهة تنامى دور مدارس الإرساليات التبشيرية التى كانت تسهم فى تحويل بعض الأقباط الأرثوذكس إلى كاثوليك أو بروتستانت. والمدرسة التى أنشأتها الجمعيات الإسلامية عام 1878. وضمن قافلة رواد التعليم والثقافة فى مصر تأتى عائشة التيمورية ويرجع أصلها إلى الشعب الكردي، لكنها بالميلاد وتجربة الحياة والانتماء الحضارى كانت مصرية. وهى من رائدات الشعر والأدب فى القرن التاسع عشر.
أما نبوية موسى (1886-1951) فقد كانت مقاتلة جبارة من أجل حق البنات فى التعليم والمساواة مع الرجال فى المنزلة والأجر. وكانت أول طالبة تحصل على شهادة الثانوية العامة مثل الرجال وتحصل بالتالى على أجر مماثل لهم كمعلمة فى مدرسة عباس الابتدائية. وألفت كتبا ممتازة فى المطالعة لتلميذات الابتدائي، وكتابها الأشهر «المرأة والعمل» الذى قدمت فيه دفاعا مجيدا عن حق المرأة فى العمل، فضلا عن سيرتها الذاتية. وكانت تملك حسا وطنيا وقوميا حيا وبالغ الحيوية، فقاتلت من أجل تمصير إدارة التعليم التى كان المستعمرون الإنجليز يسيطرون عليها. وعوقبت بسبب ذلك بالفصل من وزارة المعارف، لكنها واصلت عطاءها بإدارة مدارسها «بنات الأشراف» والكتابة الصحفية. واستحقت أن يكون اسمها واحدا من الأسماء الخالدة التى كانت تُطلق على مدارس مصر فى عصر التنوير حتى منتصف سبعينيات القرن العشرين، قبل أن تنقض الأسماء الدينية والسياسية وأسماء المُلاك أو جنسيتهم على المدارس فى مصر لتنزع عن اسم المدرسة القيمة التعليمية والتنويرية والوطنية التى كانت تمثلها تسميتها بأسماء رواد التعليم والتنوير وأبطال ورموز مصر.
وهناك قائمة طويلة من رائدات التعليم والثقافة والتنوير ومشاركة المرأة ومساواتها بالرجال تضم ملك حفنى ناصف الشهيرة بـ «باحثة البادية». وهى أول فتاة تحصل على شهادة الابتدائية من مدرسة السنية الحكومية 1903، وكذلك شهادة المعلمات عام 1910. وكانت خطيبة ومحاضرة ذات حضور قوى واختطفها الموت مبكرا وهى فى الثانية والثلاثين من عمرها.
كما تضم قافلة الرائدات كلا من هدى شعراوى وسيزا نبراوى والمفكرة والروائية الرائعة الدكتورة لطيفة الزيات، والدكتورة سهير القلماوى التى كانت أول من حصلت على درجة الدكتوراة فى الآداب من الجامعة المصرية. وفاطمة اليوسف الشهيرة بـ «روزا اليوسف» بشخصيتها القوية وقدراتها الفنية والصحفية المتنوعة، والتى أسست المجلة المعروفة باسمها حتى الآن. والمفكرة الإسلامية عائشة عبد الرحمن الشهيرة بـ «بنت الشاطئ». واستر فهمى ويصا المناضلة من أجل استقلال مصر ورعاية الفقيرات والمساواة بين المرأة والرجل. والأديبة الفلسطينية المولد مى زيادة التى كانت واحدة من رموز الثقافة والتنوير فى مصر فى النصف الأول من القرن العشرين. والصحفية الكبيرة أمينة السعيد، والدكتورة درية شفيق التى كانت من أوائل من حصلن على درجة الدكتوراة وكانت جريئة فى كتاباتها الصحفية ومواقفها ولا تخشى أى عواقب لها فى مواجهة حكومات مستبدة حتى ولو كانت وطنية. والفنانة التشكيلية المبدعة إنجى أفلاطون، والنقابية عايدة فهمي، والمناضلة الأشهر فى ريف مصر شاهندة مقلد، والنقابية الكبيرة أمينة شفيق وغيرهن كثيرات فى كل ربوع مصر وباقى الوطن العربي.
وإضافة لكل هؤلاء كانت هناك قافلة من الرائدات فى تعلم الفنون واقتحام مجال العمل فيها واحترافها والتحول إلى رموز للفن كل فى مجالها، ففى مجال الغناء برزت سيدة الغناء العربى أم كلثوم وأسمهان ومنيرة المهدية وفتحية أحمد ولورد كاش وليلى مراد ومن بعدهن صباح وشادية وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة والمطربة الأسطورة فيروز الفلسطينية المولد واللبنانية التجربة منذ خرجت من فلسطين إلى لبنان مع أسرتها كلاجئة تحت وطأة إجرام العصابات الصهيونية. ورائدة الغناء الشعبى خضرة محمد خضر. وفى المسرح والسينما برزت فاطمة رشدى وأمينة رزق وفردوس محمد وراقية إبراهيم وسميحة أيوب ومديحة يسرى وسناء جميل وتحية كاريوكا وزينات صدقى ووداد حمدي، وقافلة الجيل الذهبى فى الخمسينيات والستينيات شادية وهند رستم ونادية لطفى ومريم فخر الدين وفاتن حمامة وماجدة ولبنى عبد العزيز والأسطورة سعاد حسنى ونضال الأشقر وحياة الفهد وغيرهن كثيرات ممن أسهمن فى تطور السينما والمسرح فى مصر والعالم العربي. أما السيدتان آسيا وعزيزة أمير فإنهما تعدان أهم منتجتين للأفلام فى تاريخ السينما العربية، ولهما فضل كبير على تطور الفن السابع فى مصر التى تعد المركز الأساسى للسينما العربية.
وهناك الكثيرون والكثيرات ممن شاركن فى مسيرة الكفاح من أجل تعليم المرأة ومساواتها بالرجل فى التعليم والعمل والأجر والمشاركة السياسية والوطنية.
وخلال مسيرة الكفاح الوطنى من أجل الاستقلال والنضال الاجتماعى من أجل الحرية والاستقلال الوطنى والعدالة والمساواة، برزت مناضلات فى كل أرجاء الوطن العربى من مصر والجزائر والعراق وسوريا وفلسطين وغيرها من البلدان العربية ممن خضن غمار الكفاح الوطنى ونلن قسطهن من عواقبه من سجن وتعذيب، وسقط العديد منهن شهيدات للواجب الوطنى مثلهن مثل الرجال. وتعتبر الجزائرية جميلة بوحيرد من أكثر المناضلات العربيات ضد الاحتلال الفرنسى شهرة فى الوطن العربي، ومعها قافلة من المناضلات والشهيدات من الجزائر وكل الأقطار العربية تسجل بطولة المرأة العربية ومشاركتها للرجال فى الدفاع عن الوطن والاستقلال.
رجال عظام خاضوا معركة المساواة بين المرأة والرجل
ارتبط الكفاح من أجل نشر التعليم عموما وتعليم المرأة بصفة خاصة بالتطور الاجتماعى فى الدول القائمة تاريخيا مثل مصر. وارتبط بتجاوز المجتمعات القبلية والعشائرية لتكوين دول قومية فى العديد من البلدان العربية الأخري. كما ارتبط بالكفاح ضد الاستعمار الأجنبى العثمانى والأوروبى الذى خيم بظلامه ولصوصيته على الوطن العربى طولا وعرضاً، لدرجة أن الدكتور أحمد لطفى السيد وهو أحد تلاميذ الشيخ محمد عبده، والمفكر قاسم أمين، رائد تحرير المرأة وصاحب الكتابين الشهيرين: «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة»، كان يرى أن من يريد الاستقلال عليه أن يحول لسانه وقلمه وشيئا من قواه وأمواله إلى التربية والتعليم باعتباره، أى التعليم، هو العامل الوحيد لتحقيق الاستقلال ولا شيء غيره. وهى رؤية تنبع من إيمان شديد بالتعليم وتأثيره، وإن كانت تنطوى على مبالغة كبيرة، لأن العلم دون موقف اجتماعى ووطنى وإنساني، لن يقود وحده إلى تحقيق الاستقلال. وكان أحمد لطفى السيد يرى أن غرض التعليم أسمى كثيرا من مجرد تخريج الموظفين. وأن غرضه العام هو تقليل الفروق الموجودة بالطبيعة بين أبناء الأمة الواحدة وتكثير المشابهات بينهم حتى تتشابه ميولهم وآمالهم وتتقارب وتتوحد مقاييس تقديرهم لما يجرى بينهم من الحوادث.
وكان للدكتور أحمد لطفى السيد موقف عادل وحكيم من إلحاق البنات بالتعليم الجامعي، فعندما تم تحويل الجامعة المصرية إلى جامعة حكومية عام 1925، طالب عدد من عمداء الكليات من المتحمسين لتعليم المرأة بضرورة أن تقبل الجامعة، الطالبات الحائزات على شهادة الثانوية، لكنه رأى أن القضية شائكة وأن قوى الرفض لهذا الأمر ستثور ثائرتها، واتفق مع عمداء الكليات على قبول الطالبات اللاتى يتقدمن للالتحاق بالجامعة، دون إعلان رسمي. لكن ذلك لم يمنع حدوث ضجة تنكر الاختلاط بين البنين والبنات فى التعليم الجامعي، لكنه لم يأبه لها، لأنه كان على حد قوله «على يقين من أن التطور الاجتماعى معنا وأن التطور لا غالب له، ومعنا العدل الذى يسوى بين الأخ وأخته فى أن يحصل كل منهما على أسباب كماله الخاص على السواء، ومعنا فوق ذلك منفعة الأمة من تمهيد الأسباب لتكوين العائلة المصرية على وجه يأتلف مع آمالنا فى الارتقاء القومي».
والحقيقة أن معركة التعليم الجامعى المختلط لم تكن معركة سهلة، بل كانت حربا حقيقية بين قوى التنوير وقوى التخلف والظلام، وقد حشد قاسم أمين كل حججه الدينية والدنيوية من أجل تدعيم فكرة تعليم النساء ليصبحن زوجات وأمهات مستنيرات وقادرات على إدارة ميزانية الأسرة الحديثة وتنشئة الأطفال تنشئة سليمة. وقبلت الجامعة الأهلية فى البداية واحدا وثلاثين طالبة دون أن تعلن عن ذلك رسميا، وفى نهاية 1909 تم افتتاح قسم الطالبات بالجامعة، لكن تم إغلاقه عام 1912، وبعد تحويل الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية هى جامعة فؤاد الأول التى أصبحت جامعة القاهرة بعد ذلك، تم قبول الطالبات رغم معارضة القوى المحافظة لذلك.
بطلات منسيات من المنوفية والمنصورة والبحيرة والإسكندرية
وكان ذلك الكفاح والبطولات النسائية خلاله، عاملاً مهما فى تأكيد جدارة المرأة العربية بالمساواة مع الرجل فى جميع مناحى الحياة وبخاصة فى مجال التعليم. ففى مصر شاركت نساء المنوفية فى قريتى «غمرين» و«تتا» فى قتال شرس ضد الغزاة الفرنسيين فى عام 1798، مما حدا بأحد ضباط الحملة الفرنسية إلى رصد تلك الواقعة بالقول بأن نساء القريتين كن يهاجمن الجيش الفرنسى بكل بسالة، لكن ذلك الجيش أَعمل بأسلحته الحديثة تقتيلا فى القريتين فسقط أكثر من 400 شهيد وشهيدة على أيدى الغزاة الفرنسيين المجرمين.
وفى المنصورة شاركت النساء مع الرجال فى ثورة على الحامية الفرنسية فيها فى أغسطس عام 1798 وأبادوا تلك الحامية دفاعا عن وطنهم ورفضا للاحتلال، قبل أن يرد الجيش الفرنسى العارى من أى غطاء أخلاقى أو إنسانى شأن كل الغزاة، بحملة إبادة ضارية ضد أهل المدينة الباسلة.
وفى دمنهور التى قاتلت الحملة الفرنسية ببسالة، عاد رجال المدينة ونساؤها معا لخوض معركة تاريخية حققوا فيها لمصر انتصارا مؤثرا فى تاريخها الحديث عندما تصدوا وهزموا قوات محمد بك الألفى زعيم المماليك الذى كانت الدولة العثمانية بتواطؤ بريطانى تريد من خلاله إنهاء حكم محمد على المدعوم شعبيا، وإعادة سيطرة الدولة العثمانية المتخلفة والمريضة على مصر.
وكانت مشاركة النساء فى الحروب الوطنية ضد الغزاة المستعمرين الفرنسيين ومن بعدهم الإنجليز، قد أبرزت أهمية دور المرأة فى القضايا المصيرية للأمة، ومهدت بالتالى لأفكار المساواة بين الجنسين. وكانت النساء قد قمن بدور كبير فى مساعدة الرجال فى مقاومة حملة نابليون التى تعد الحملة العسكرية الأجنبية الأكثر دناءة وانحطاطا من الناحية الأخلاقية فى التاريخ الحديث لمصر. فقد قتل الفرنسيون أدعياء التحضر آنذاك، نحو 300 ألف من المصريين فى ثلاثة أعوام من التقتيل الهمجى والإجرامى ضد شعب ثبت من اللحظة الأولى أنه غير قابل لاحتلال بلاده من قبل هؤلاء المستعمرين الأوروبيين. كما قامت النساء بدور كبير فى الحرب الشعبية ضد الحملة الإنجليزية الإجرامية على رشيد عام 1807 (حملة فريزر)، التى تم سحقها، وطردها من مصر تجر أذيال الهزيمة والخزي، بفضل تضافر الرجال والنساء من أبناء الشعب فى مقاومتهم فى رشيد التى صارت مضربا للأمثال فى المقاومة الشعبية ليس فى مصر فقط ولكن فى كل العالم.
وفى أثناء الهجوم البريطانى على مصر عام 1882، شاركت نساء الإسكندرية رجالها فى دعم الجيش المصرى المدافع عنها. وشاركت النساء فى دعم الجيش والمقاومة الشعبية ضد الإنجليز لمنع تقدمهم داخل أراضى مصر. وحتى سيدات الطبقة العليا أسهمن فى التبرع للجيش لدعم صموده فى مواجهة الغزو البريطانى الإجرامى لمصر، فتبرعت والدة الخديو إسماعيل بجميع خيول عرباتها لمصلحة الجيش.
وعلى أى حال فإن المرأة فى مصر والعديد من الأقطار العربية، لها سجل حافل بالبطولات فى المعترك الوطني، بما أسهمت فى تعزيز أحقيتها بالمساواة مع الرجال فى التعليم والعمل وتبوؤ المراكز القيادية فى جميع المجالات.
لكن ما تم حسمه من قضايا بشأن تعليم المرأة ومشاركتها فى كل مجالات العمل تقريبا بصورة مساوية للرجل فى الأجر والحقوق، يُعاد طرحه من جديد فى استنزاف لا ينتهى للعقل العربى من قبل المجموعات المحافظة ذات المرجعيات الدينية.
ويبدو هذا الأمر غريبا فى بلد مثل مصر بالذات حيث بدأت معركة التنوير والمساواة بين المرأة والرجل وتعليم المرأة فى العصر الحديث، فى وقت مبكر حتى عن بعض الدول الأوروبية يرجع لقرابة 180 عاما. وحصلت المرأة فى مصر على حق التصويت والترشيح فى الانتخابات العامة فى عام 1956 بعد 11 عاما فقط من حصول المرأة فى فرنسا وإيطاليا على هذا الحق. كما أن تاريخ مصر الطويل الذى يبدأ به التاريخ المكتوب للعالم، يتضمن أدورا كبرى للمرأة وميراثا ضميريا وأخلاقيا فى المساواة بينها وبين الرجل فى الكثير من المسائل التى سبقت بها العالم منذ عهد المصريين القدماء، حيث كانت المرأة لها حق الملكية وإدارة ممتلكاتها دون وصاية من أحد، ووصلت لأعلى المراتب الاجتماعية والسياسية بوجود ملكات على رأس الحكم فى مصر فى عهود مختلفة من الدولة المصرية، فضلا عن قيام العديد من الملكات بأدوار مهمة فى حكم البلاد وقيام بعضهن بأدوار حاسمة فى الكفاح الوطنى ضد الاحتلال الأجنبى بالذات فى عهد الأسرة السابعة عشرة التى قادت مصر إلى إزاحة احتلال الـ «حقخاسوت» التى تعنى بالهيروغليفية «حكام البلاد الأجنبية» المعروفين شعبيا بالهكسوس الذين جثموا على صدر مصر قرنين من الزمان قبل أن يتم طردهم ومحو ذكرهم من الوجود كليا فى عام 1550 قبل الميلاد. وهذا الدور العظيم للمرأة المصرية فى تاريخها القديم يستحق أن نفرد له مقالا مستقلا لتذكير الأجيال الراهنة بما كانت عليه مصر من تحضر ورقى قبل آلاف السنين.
ومن يتأمل التاريخ النضالى العظيم للمرأة المصرية. ويتابع التقدم الذى أحرزته، والمشاركة الاجتماعية والسياسية والعلمية والعملية عبر قرنين من النضال التنويرى الجليل، يشعر بالأسى على الوضع الذى وصلت إليه النظرة الاجتماعية للمرأة. ومن المؤكد أن المشاركة الهائلة للمرأة فى ثورة 25 يناير العظيمة وموجتها الثانية الهائلة فى 30 يونيو، وفى كل المناسبات السياسية، سوف تفتح بوابات مستقبل جديد للتنوير والمساواة النوعية بالاستناد إلى الدستور الجديد المتميز فى هذا الشأن. أما كل بقايا التخلف والبلطجة والانحطاط الأخلاقى والتحرش. فإن المجتمع والدولة معا ينبعى أن يخوضا حربا بلا هوادة لسحقها لإعلاء قيم التنوير والمساواة النوعية لبناء مستقبل يليق بقيمة وقامة وحضارة وتاريخ مصر.

عبدالله رجب الشريف

كاتب صحفي حر عاشق تراب الوطن مبدع في بلاط صاحبة الجلالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى