مقالات

توبة ممثل مشهور

بقلم/ أحمد عيسى

“يونس الحربي” فنان شهير، وَسيم قَسيم، أُولع بالفن، ودرس التمثيل، وشارك قبل تخرجه في أعمال ثانوية قليلة، دفعت به إلى أضواء الشهرة، وبوأته مواقع من النجومية التي سرعان ما تخطفته بمجرد تخرجه في معهد التمثيل.
وخلال رحلة “يونس” الفنية على مدى ما يربو على ربع قرن من الزمان، مثَّل خلالها للإذاعة والتلفزيون والمسرح أدواراً متنوعة من أفلام الأكشن والكوميدي والتراجيدي، وجسَّد خلال هذه الرحلة الكثير من المآسي والملاهي والملاحم.
لم يكن لدى “يونس” وقتٌ للنظر في سيناريوهات الأعمال المعروضة عليه، لكنه كان ينظر مَليّاً في أرقام الأجور المقترحة له؛ لذا قلَّما كنتَ تجده يرفض عملاً، أو يعتذر عن عرض، فكان يقبل معظم الأدوار التي طُرحت بين يديه سافلها ونبيلها، وضيعها ورفيعها.
ارتضى يونس أعمالاً تُروِّج للخمور والمخدرات إدماناً وتجارة، وأخرى تدعو للخنا والفجور والإثارة، والرذائل والفواحش والدعارة، وثالثة تؤسس للتفريط في العِرض والشرف والوطنية والكرامة، ورابعة تحفل بالبلطجة وتجارة السلاح والجاسوسية والوشاية والعمالة، وخامسة تُصفق لغسيل الأموال والرشوة والخيانة.
واختتم “يونس” ذلك كله بأعمال تعزف على قيثارة المثلية والإلحاد، وتهاجم الأديان وتزدريها، وتسيء إلى المتدينين وتخلع عليهم صور الغلو والتنطع، وتُلصق بهم تُهم الانحراف والتطرف والإرهاب.
وبعد أن جمع “يونس” أموالاً طائلة من هذه الأعمال، وحين أحس أن الأدوار المعروضة عليه بدأت في التقلص، ونَحَت به نحو التهميش والانزواء، فكَّر في أن يعتزل التمثيل، ويتوب إلى الله، مكتفياً بضِيَاع وعَقَارَات أسسّها، ومزارع وشاليهات أنشأها، ومؤسسات وشركات أرساها ودشنها.
وذات ليلةٍ نام “يونس” بعد تفكير طويل في اعتزال الفن، فإذا به يرى في المنام أنه داخل جامع كبير، فيه داعيتان أحدهما دكتور شهير له حلقة كبيرة منقولة مباشرة على الهواء، والآخر صوفي مغمور كانت حلقته صغيرة تخلو من التصوير والبهرجة والبث والتسجيل.
توجه “يونس” بعد انتهاء تصوير الحلقة على الفور صوب الداعية الدكتور المشهور؛ ليسأله عن كيفية التوبة وصحتها وقبولها..
يونس: دكتور، أنا يونس الحربي الفنان.
الدكتور: أعرفك وهل يخفى القمر؟
يونس: تراودني نفسي بالاعتزال والتوبة.. فما الطريق.. وكيف العمل؟
الدكتور: كلنا معاصٍ وذنوب فمِن أي شيء تريد أن تتوب؟ ثم هل يتوب أحدٌ من رسالة توعية للناس وتخفيف.. وإسعاد للمجتمع وتثقيف؟
يونس: أَزْرَتْ بي أعمالٌ كانت بعيدةً عن هادف قِيم الفن ونبيل رسالته!
الدكتور: نَحِّ التافه والطالح عن أعمالك المقبلة واحصرها فقط في النافع والصالح.
يونس: وماذا عن الأعمال الكثيرة الماضية.. الوضيع منها والقبيح؟
الدكتور: تُب عنها، واعتذر منها، واستبدل بها أعمالاً أخرى قيمة فنياً، وهادفة اجتماعياً، وخصص سلسلة برامج ومحاضرات تعتذر فيها عن ماضٍ شائن، وتواصل من خلالها توعية المجتمع والناس.
يونس: سأفكر في الأمر برويّة، ثم أتصل بكم للتنسيق والعمل.
انطلق كلٌّ من الداعية الدكتور والفنان إلى طريقه، ثم بعد خروج “يونس” من الجامع الكبير، حدثته نفسه أن يعود ليسأل الشيخ الصوفي المغمور عن قضيته ومشكلته لكي يطمئن قلبه أكثر.
يونس: مساء الخير، أنا يونس حربي الفنان.
الشيخ: مرحباً بـ”يونس” العبد.. الإنسان.
يونس: ألا تعرفني؟
الشيخ: يُعرف المرء بسلوكه وعمله.
يونس: قد عزمتُ التوبة والاعتزال!
الشيخ: ومن أي شيء ستتوب؟
يونس: من التمثيل والفن.
الشيخ: يلزمك إقلاع وندم، وتغيير بالترك والعمل، وعزيمة على المضي والثبات وعدم الالتفات. عليك أن تتوب لا من تمثيلٍ وفن، بل من كذبٍ وزُور وبهتان ومَيْن، ثم تنخلع من عُظْم مالك ومما اقترفت واكتسبت، وأكلتَ مِن حَرامٍ وسُحْت.
يونس: هذا يعني أن أعود صُعلوكاً كما بدأتْ!
الشيخ: وأن تتطهر من أدران الشهرة والمجد.
يونس: سأُجسد أعمالاً دينية وأُلقي محاضراتٍ إسلامية.
الشيخ: يا مسكين، لا تصلح شهرُتك في طريق الدعوة للدين، أنت لا تُحسن قراءة صفحة واحدة من القرآن الكريم، ولا تعلم شيئاً عن أصولٍ وفروع، وحواشٍ وشروح، ولا تدري شيئاً عن علوم القرآن، ولا عن فقهٍ وتفسيرٍ، وسُنَّةٍ وحديث، وسِيَرٍ وأعلام، فضلاً عن لغة ونحو وتراجم، وفلسفة وفكر وبلاغة وبيان، وشريعة وحقيقة.
يونس: بعض الفنانين من زملائي اعتزلوا وتابوا واستأنفوا صالح الأعمال وتواصلوا مع البرامج والأضواء؟
الشيخ: ما اعتزلوا ولا تابوا، تركوا شهرة التمثيل واصطحبوها معهم في الحديث عن دينٍ لم يدرسوه، وإسلامٍ لم يفقهوه، وقِيَم لم يعافسوها، وأخلاق لم يلمسوها، فضلُّوا عن سبيل الله كثيراً وأضلُّوا.
يونس: فماذا عليَّ أن أعمل الآن لتصحَّ أوبتي وتُقبل توبتي؟
الشيخ: التوبة النصوح من كل ما فعلت واكتسبت، والتخلص من أكثر مما جمعت، والانكسار والانغمار، والانطراح بين يدي الرحيم الغفار في ذِلّةٍ وصَغَار بالليل والنهار.
يونس: والأدوار النافعة والشخصيات والأعمال الدينية الصالحة؟
الشيخ: ليس الآن، ولكن بعد أن تحسن توبتك، وتثبت أوبتك؛ فتعيش هذه الأدوار زهداً وعبادة، وتتذوقها طاعةً وهداية؛ وتتشربها نفساً وروحاً ودراية، ولا تحسبن أن من جسَّد شخصية عابدٍ أو عالمٍ، أو فقيهٍ أو زاهدٍ صار مثله رأساً برأس، وله أن يتصدر المجالس ويتحدث واعظاً في الناس.
يونس: دعني أفكر، ثم أتصل بك للتنسيق والعمل.
الشيخ: في أمان الله، لكن تذكر يا يونس: المتلفت لا يصل، والله لا يُخدع، وهو طيب لا يقبل إلا طيباً.
نهض “يونس” من نومه على كلمات الشيخ المغمور، فراجع ما دار في حُلمه كلِّه، وأمام بريق الشُّهرة، وإغراء الأضواء؛ بحث عن أرقام هاتف الدكتور الشهير، لينسق معه سلسلة محاضرات عن “توبة فنان مشهور”!

عبدالله رجب الشريف

كاتب صحفي حر عاشق تراب الوطن مبدع في بلاط صاحبة الجلالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى