مقالات

توبة علي عفيفي … أشهر تائب الى الله

كتب :- نور قطر

توبة علي عفيفي … أشهر تائب الى الله
قال تعالى :
قل : يا عبادي الذين أسرفوا على انفسهم ، لا تقنطوا من رحمة الله ؛ ان الله. يغفر الذنوب (جميعا) ..
إنه هو الغفور الرحيم ، و أنيبوا الى ربكم و أسلموا له …
الايه ٥٣ الزمر .

لا تنظر الى الصورة مجردة ، هناك دوما وجه اخر لها لا تعلمه عنها ، او ان يكون الله قد أخفى عنك جزءا منها لحكمة منه هو أدرى بها منك و سيكشفه لك في حينه ، الساذج فقط هو من يكتفي بوجهها الاول ..
بائع الورد الذي تراه في الشارع ليس بالضرورة ان يكون رومانسيا حالما ، كل ما في الامر انه يبحث عن بضع لقيمات يسد بها جوع اطفاله ..

والمعلم ليس بالضرورة ان يكون صاحب رسالة متفاني ، وما اختار ان يكون بمهنته بمحض ارادته ، بل لربما انه اختار مهنته لان مجموعه لم يؤهله لأن يكون في كلية اعلى .

الفلاح المزارع لا تعنيه البيئة ، و لم يسمع يوما عن حزب السلام الاخضر ، إنه ببساطه يرى سنبلة القمح دينارا ، و يرى حبة التفاح ريالا ، او غصن الزيتون درهما ..

والطبيب الذي تراه ملاكا ليس بالضرورة ان يكون كذلك ….

العباءة السوداء ليس بالضرورة ان يكون تحتها امرأة عابدة زاهدة ..
واللحية الطويلة المحناة قد تغدو زيّ عمل احيانا ..

المصور الذي يطلب منك ان تبتسم ؛ لا يهمه ابتسامتك .. و قد لا يريد ترميم نفسيتك المترهلة … بل كل ما في الامر تهمه الصورة فقط ..

قد يدفعنا الرزق في خضم الحياة لفعل اشياء او امتهان مهن لا تعجبنا ولا نستمتع بها اطلاقا انما قد جُبرنا عليها بسبب ظرف ما لا يعلمه الجميع ، فحفار القبور لن يعتاش اذا لم يمت احد ..

قد تجد عصاة يحبون الله و رسوله و يرغبون في التوبة .. أكثر من دعاة كثر نعرفهم ..لكنهم ما وجدوا من يأخذ بأيديهم الى طريق الله بالعرف و حسن القول و بالأسوة الحسنة ..

لكن الدعاة وجدوا من يرفق بهم و يحنوا عليهم .. و قد فتحت لهم شاشات تلفزة كثيرة .. و فتحت لهم مساجد و منابر يعتلوها ..
هل تعرفون لماذا ظهر المنافقون في المدينة ؟!

ذلك ان من اختار الاسلام في مكة ؛ اختاره على يقين منه انه يعادي مجتمعا كاملا ، فلم يكن في الامر وجاهة قط .. وكل ما كان في باله رضى الله ليس غير ..

اما في المدينة فقد صار الاسلام هو السلطة المطلقة ، فاختار بعض المتأسلمين اسلامهم كي يبقوا جزءا من المعادلة … لهذا كان ابن سلول يصلي الفجر حاضرا في المسجد !

وهنا لي قول دقيق …
طبعا معاذ الله ربي ان ابرر للعصاة معصيتهم .. حاشا وكلا
انما اقترح ان نأخذ بأيديهم الى الله
ان نحنوا عليهم و نربت على اكتافهم ليتجاوزا ذنبهم الذي اقترفوه جهلا .. او في اشد لحظات ضعفهم ..

العصاة العتاة ..الظالمون المتحجرة قلوبهم .. المذنبون .. المجرمون في حق انفسهم و في حق مجتمعاتهم كل أولئك بحاجة الى من يرشدهم و يشجعهم على اختيار الصواب ..

انهم بحاجة ماسة للاقلاع عن ذنوبهم .. هم
بحاجة عظيمة الى فرصة فقط .. يستطيعون من خلالها اشهار توبتهم امام الله .. و امام الناس جميعا .

لم يبعث الله نبيا قط الا في جمع من العصاة ..

و إني لا أنتقص من حجاب او لحية .. معاذ الله ان اكون فعلت ..
وإني لعلى يقين بأن كل واحد منكم يعرف سافرة ، لا ينقصها من الاسلام الا الحجاب .. و يعرف محجبة ليس فيها من الاسلام الا الحجاب ..

و لا انتقد اللحية و أصحابها .. ومعاذ الله ان اكون فعلت ..
لكن كل واحد منكم يعرف بالتأكيد حليقا لا ينقصه من الاسلام الا لحية ..
و يعرف ملتحيا لا اسلام فيه ومنه الا لحيته ..

في الصورة أدناه علي عفيفي ، شاب مصري التقيته مصادفة في خضم هذه الحياة ..

علي هذا له قصة تقشعر لها الأبدان ، و تنفطر من أجلها قلوب كثيرة .
هو صديق لي منذ سنة و لم أتعرف عليه الا الامس فقط في القاهرة ..
سأبدأ بقصته من حيث عرفتها من فمه :
..
” معاكي علي عفيفي اول من طبق الشريعه الاسلاميه فى العالم على نفسه وانا قطعت ايدي الاثنين تحت عجلات القطار علشين انا اتوب إلى الله وانا مرتاح البال والضمير .”

هكذا بادر علي بالتعريف عن نفسه ..

علي شاب في بداية عقده الثالث من العمر ، من أسرة فقيرة عاش في قرية ميت حبيش القبلية بمدينة طنطا .. محافظة الغربية .

ابتدأ بسرقة اقرانه في المدرسة ، طعامهم .. اقلامهم .. مقتنياتهم الشخصيه ، بالتأكيد ليس من اجل معصية الله او مخالفة قانون .. او لوائح المدرسة او تعاليم مجتمع بائس فقير ، لكن من اجل ان يسد رمقه ببضع لقيمات … او لإقتناء قلم رصاص او دفتر .. لم يستطع والداه توفيرهم له ..

علي عفيفي الطفل كبر و ترعرع على السرقه و ما وجد غير تعنيف و ضرب .. و احيانا وصل الامر الى تكسير عظامه . دون ان يجد من يفهمه بالشكل اللائق اللين المطلوب بأن السرقة حرام و تخالف نظم وتقاليد المجتمع .. و طبعا دون ان يوفر له والداه الدعم النفسي الكامل لكي يتوقف عن عمله و يقلع عن ذنبه .

عاش في ذنب امتد لأكثر من عقدين و نصف ..
ذنب لم يقترفه وحده ..
ذنب اشترك فيه الطفل الذي سرقه برد اساءته بإساءة اخرى هي الاحتقار له والابتعاد عنه ..

ذنب اشترك فيه المدرس والمدير حين اعتدوا عليه بالضرب المبرح ، و دونما ان يخطر ببالهم بأنهم يغذون في روحه قسوة الضمير .. و ان يرفعوا عنه من خلال طرده و نقله الى مدرسة اخرى ، شعور الندم و الاحتراق … و عذابات التجربة المرة ..

ذنب الاهل و الجيران و الأقران .. وحيٌّ بأكمله قاطعه دون ان يعطوه فرصة .. مجرد فرصة واحدة يدافع فيها عن نفسه ..
ذنب مجتمع بأكمله لم يوفر له حياة كريمة ، ولم يتورّع فيه مسؤول يكلّف أذنيه عناء الاستماع لقصته .. او يضع له السبعين عذرا التي سمعها مرارا وتكرارا في خطب الجمعه التي يحضرها و يستمع لها فقط كي تصوره وسائل الاعلام وهو يتوسط الجمع الغفير من الناس .. فقط من أجل ( اللقطة ) !!!

ذنب اشترك به علماؤنا الفضلاء الأجلاء الذين حكموا عليه بالفشل و عدم الصلاح ، بينما غفروا لابن المسؤول الذي اهان القضاء .. و ساوى القانون في الأرض ، فما ارتفع فوق البسيطة التي يدعسونها بأقدامهم ..
ذنب نشترك فيه جميعا سواء …
على مدار عقدين ونصف من الزمن سُجّل لعلي أكثر من خمسة الاف قيد سرقة ، و أمعن في غيّه و ضلاله .. دون رادع او وازع …

وكانت توبته عجيبه :
قبل سنتين تقريبا ، خطف علي حقيبة سيدة في السوق و اطلق ساقيه للريح ، و قبل ان يبتعد صرخت السيدة بأعلها صوتها : حرام عليك .. مال يتامى !!
توقف علي و تسمّر في مكانه .. و رمى للسيدة حقيبتها و لاذ بالفرار .

هذا المشهد علق بذهنه طويلا .. لم ينم ليلتها و احس بذنبه ، ضميره الذي عذبه طويلا قفز الى العلن معلنا ظهور انسان اخر غير علي الذي يعرفه ..
بات ليلته في عذاب شديد لا يحتمل ،
في الصباح كان عرف ما سيفعل ..
قرر ان يضع حدا لآلامه ، و ان باستطاعته وحده وقف سكاكين الضمير التي تمزق روحه البسيطه .

هذه المرة قرر التوبة … لكن بشكل مختلف ..
التوبة كما يفهمها عقله البسيط المتواضع ، حزم شتات امره و توجه الى اقرب محطة لسكة الحديد .. ولم يتردد لحظة واحدة ، شمّر عن يده اليسرى ، و ضعها على السكة ، و بلمحة عين … بتر يده و تركها هناك و مشى مبتعدا و دون ان ينظر حتى لمعصمه المبتورة عنه ، هذا الجزء الذي كان سببا في خراب روحه !!!

لفها جيدا و ذهب الى المشفى وحده ، قطّب جرحه الدامي ، ثم توجه الى جامع قريته و اشهر توبته بعد ان اعلنها من قبل بينه و بين ربه … رحب به الجميع و فرحوا به .. تعاطفوا معه يوم .. شهر .. ونسيه الناس بعدها …اصبح علي قصة يرويها الدعاة على المنابر في القرية ايام الجمع ..
و بات علي قصة يرويها هو لنفسه كل ليل بات فيه جائعا …
فيما مضى كان مجمل ما يسرقه علي يوزعه على اصدقائه المشردين .. و الذين لا حيلة لهم ولا وسيلة في مجتمع ينبذ التشرد من جهة .. و يشجع عليه بالحرمان المشروط من جهة اخرى .

و ازداد جوع علي مرة اخرى ..
ماذا عساه يفعل ؟
ان كان قد بتر يد واحدة تذكره بتوبته ، فهناك يد اخرى ما زالت باقية و تذكره بإجرامه و سابق عهده ..
لم يستطع مقاومة عادته التي صاحبته عقدين ونصف من عمره ..
و لم يسطع ان يصبر على جوعه ..
و قرر السرقه مجددا …فسرق .
ثم عاد الألم مجددا يمزق روحه بعذابات الضمير ..
هذه المرة لم يطل به الحال ، فرجع لنفس المكان الذي بتر فيه عن طيب خاطر يده التي لم تتحلل كاملة بعد … و بتر اليمنى !

علي هذا أشجع من قابلته في حياتي ..
هذا ما استطاع عقله ان يفهمه من القصاص .. و هذا ما عَقِله عِلمُه البسيط عن حدود الله !

سيذكره الناس بالمجرم الذي اقتص من نفسه ..
و سأذكره ما حييت بالتائب الى الله الذي احاط بكل عذابات الكون ، و لم يتورّع عن محاسبة نفسه بنفسه دون تردد .. حتى لو كان الثمن أغلى ما يملك … لمرة واحدة في العمر .

كم نحن بحاجة الى ان نحاسب ونكاشف انفسنا جيدا بحقيقة اجرامنا بحق انفسنا و حق من اذنبنا بحقهم … !
لمرة واحدة في عمرنا فقط … نحتاج ان نعيد ترتيب حياتنا وفقا لمنهج الله الذي ليس بعده منهج .

علي عفيفي الانسان …
سيذكره التاريخ كأشهر لص بتر يداه ..
و سيذكره الله .. و قلبي كأشهر تائب الى الله !
واختم بما كان اول ما قلته له بحزن شديد : حبيبي علي : لم فعلت بنفسك هكذا يا رعاك الله ؟!

و استشهد بقوله صلوات ربي وسلامه عليه :التائب من ذنبه ؛ كمن لا ذنب له

عبدالله رجب الشريف

كاتب صحفي حر عاشق تراب الوطن مبدع في بلاط صاحبة الجلالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى