مقالات

تصريح دفن

بقلم/ أحمد عيسى

“جابر” موظف حكومي ستيني، اختتم حياته بما بدأها به من تدقيق وتعنُّت، سرعان ما وصلا به إلى حد تعسير وتعطيل مصالح الناس بالدائرة التي يعمل فيها.
وبدا أن “جابر” كان يعاني نفسياً فاعتسف في استخدام سلطانه، وأسرف في مضايقة عباد الله مسلمين وغير مسلمين.
فهذا المواطن يعيده “جابر” أدراجه لأن توقيعاً معيناً في مستنداته غير واضح، أو ربما لتزحزح “التوقيع” عن مكانه قليلاً.
وذاك المواطن يرفض “جابر” التأشير على طلبه وإمرار أوراقه؛ لأن تاريخ التأشير يحتمل أكثر من قراءة، أو أن “خاتم النسر” غير ناصع، أو ربما تجاوز “شعار النسر”خانته ومحله!
لم يرحم “جابر” بأسلوبه التعقيدي التعجيزي أحداً مرَّ عليه، أو وقف بنافذة عمله، أو اضطر للولوج إلى مكتبه وديوانه!
لم يؤثِّر في “جابر” رؤية امرأة حامل، ولم يرِّق لأخرى حائل تحمل رضيعاً، ولم يأبه “جابر” أو يعبأ بشيخ ولا عجوز طاعن في السن أو طاعنة!
شيء واحد كان يهز أعطاف “جابر” ويخترق سويداءه، حب المال وزهو المنصب، من عَرَفَ “جابر” عن كثبٍ كان يقدم له الأوراق والملفات المراد تخليصها وإنهاؤها مُرفقة بعدة مئاتٍ من جنيهات السحت الرشوي.
قُبيل تقاعد “جابر” عن وظيفته إلى المعاش، أحس ذات يوم بإرهاق وتعب وكان اليوم صائفاً، أخذ “جابر” إذن ساعتين وتوجه إلى بيته.
دق “جابر” الجرس فلم يفتح له أحد من أسرته، فتذكر أن اليوم الخميس وقد ذهبت زوجته وأولاده إلى بلدهم في استجمام يومين على أمل أن يلحق بهم مساءً.
فتح “جابر” شقته ثم وضع المفتاح في ثقب كالون الباب من الداخل، وذهب إلى فراشه ليستريح عسى أن ينهض أكثر نشاطاً ليلحق بأسرته في مسقط رأسه ببلدتهم التي تبعد عن القاهرة مدة ثلاث ساعات.
بعد عدة ساعات اتصلت زوجة “جابر” به فلم يُجب على هاتفه، اتصل أولاده به تباعاً فلم يرد “جابر” أيضاً، تأخر الوقت فنام الجميع ظانين أنه سيفاجئهم بوصوله إلى البلد فجراً.
لم يصل “جابر” حتى صباح اليوم التالي، فأعادت الأسرة محاولات الاتصالات بـ “جابر” فلم يُجب “جابر” أحداً، وكان هاتفه غير مغلق.
استشعرت الأم خطراً محدقاً فاتصلت بجارة لها قريبة من شقتها، كانت تُودع عندها نسخة من مفتاح الشقة تحسباً للطوارئ.
طلبت زوجة “جابر” إلى صديقتها أن تذهب وزوجها للاطمئنان على “جابر” والاتصال بها، ذهبت الجارة وزوجها فأعملا المفتاح فلم يعمل؛ وذلك لأن “جابر” كان قد أودع مفتاحه كالون الباب من الخلف!
اتصلت الجارة بزوجة “جابر” وقصَّت عليها النبأ، أسرعت الأسرة في العودة من السفر، وحين فشل الجميع في فتح الباب سلماً؛ حطموا الباب عَنْوةً ودلفوا إلى الشقة فإذا بـ “جابر” قد تُوفي وقد شرعت الجثة مع حرارة الصيف في التغيّر.
أسرعت أسرة “جابر” إلى أقرب طبيب لعمل الكشف اللازم والتقرير الطبي، وبعد أن وقَّع الطبيب الكشف على “جابر” أنهى تقريره بإيحاء في الاشتباه بشبهة جنائية.
ذهبت أسرة “جابر” لاستخراج تصريح الدفن، فرفضت لجنة الصحة منح الأسرة تصريح الدفن، وطالبوا بتجديد إجراء الكشف الطبي الشرعي على الجثة.
مرت ساعة إثر ساعة وجثة “جابر” قد أصابها التغير الشديد في لون البَشَرة، مع ارتفاع البطن، وبدء انبعاث رائحة.
تم توقيع الكشف الطب والشرعي على “جابر” من جديد، وقررت اللجنة إحالته إلى المشرحة؛ لعدم تيقنها من أن الوفاة طبيعية.
وبعد ساعات وساعات من مساء اليوم نفسه، خرجت الجثة من المشرحة، يحملها أولاده وعدد قليل من المقربين في عنتٍ وضيق.
وحين لاحظ أكبر أبناء “جابر” أن بعض المشيعين يتسربون من متابعة الجنازة متسللين، قرر عدم السفر بالجثة إلى مقابر البلد، ووجَّه الجنازة إلى أقرب مقبرة من مقابر الصدقة، وذلك بعد أن وزَّع على من بقي من المشيعين كِمَامَاتٍ طبية!

عبدالله رجب الشريف

كاتب صحفي حر عاشق تراب الوطن مبدع في بلاط صاحبة الجلالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى