مقالات

المنتخب المغربي رفع رأس العرب

بداية، أود أن أرسل خالص تهانينا للمنتخب المغربي، على وجه الخصوص، ومدربه الشاب الوطني الرائع (وليد الركراكي) على الأداء الرجولي، والصعود لدور ربع النهائي في كأس العالم المقام بالدوحة في قطر حاليا، والشعب المغربي والعربي، على وجه العموم، على هذه النتيجة التي ابهجتنا في خضم الأزمات الاقتصادية، التي نعيشها حاليا. فـ التضخم والغلاء بطبيعة الحال وارتباط عملاتنا كعرب واقتصادنا العربي بالدولار والذي يرتفع يوميا، يعد خطئا نقديا واقتصاديا يوجب عمل عربي جماعي لتصحيحه، وربما نجد حلولا في هذا الصدد مع الصين.
وعند مقارنة استقبال الرياض للرئيس الصيني (السيد/ تشي تشنبنج) في الرياض أمس الأربعاء 7/12/2022، بالرئيس الامريكي (بايدن – في قمة جدة في يوليو الماضي)، شتان ما بين المشهدين. إستقبال شديد الحرارة بالطائرات تحرس طائرة الرئيس الصيني الشريك الاستراتيجي مع السعودية منذ 2016، والتي يزيد حجم الشراكة معها لما يزيد عن 100 مليار دولار، واخر بارد للرئيس الامريكي، ومعارضة لكل ما جاء به من طروحات بعدما وصل من الكيان الصهيوني.
فلم نعد حاليا، كما كنا سابقا، ننتظر الموافقة من (واشنطن أو لندن) لكي نقيم علاقات كبيرة مع دول أخرى، خصوصا لو كانت هذه الدول، إحدى الدول التي تشكل النظام العالمي الجديد، مرحلة ما بعد أمريكا، وخصوصا لو كانت الصين الشريك الاقتصادي الأكبر للعالم العربي على وجه العموم بحجم تبادل تجاري يقدر بحوالي (330 مليار دولار)، ومصر بلدي على وجه الخصوص برقم يصل الى (19 مليار دولار)، بحسب ما صرح به السفير الصيني لدى مصر في ندوة عقدت مؤخرا في القاهرة عن المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني.
حيث صرح وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية (عادل الجبير) أن القمة الصينية العربية يرتكز على جانبين (العلاقات التجارية والأمن الإقليمي).
وعليه يأتي مجال الطاقة على رأس أولويات الطرفين حيث أن الصين تعد أكبر مستورد للطاقة في العالم، حيث تستهلك بحسب بيانات وزارة الطاقة الصينية يوميا في حدود 10 مليون برميل من النفط الخام، بينما السعودية تأتي ربما في المرتبة الأولى لـ مصدري النفط عالميا.
وكذلك أن عقود الطاقة طويلة الأجل هي أكبر علاج لتذبذبات سوق الطاقة الناتجة عن عدم الاستقرار على الساحة الدولية، بسبب وباء كورونا اولا، ثم الصراع في أوكرانيا في العالم ثانيا. فكان الاتفاق الكبير المبرم ما بين السعودية والصين في الصيف الماضي لتصدير النفط، مع إمكانية إحلال (اليوان) محل (الدولار)، من أكبر الاتفاقيات تاريخيا التي عقدت في هذا الصدد.
حيث يبلغ حجم التعاملات اليومية ما بين الجانبين ما يقارب 320 مليون دولار يوميا، واذا تم إحلال هذا المبلغ الكبير بـ (اليوان الصيني) فسيكون له تأثير على المدى المتوسط والطويل في التجارة العالمية. خصوصا مع تعاظم التضخم والركود عالميا بسبب ازمة الطاقة التي تسببت فيها الأزمة الأوكرانية. وكذلك الخوف من ظهور نظام عالمي مواز لا يضر بالسياسات النقدية كما هو حادث بسبب الارتباط بالدولار في بعض الدول العربية، وبسبب الاعتماد والطلب على الدولار والأمثلة عدة كـ لبنان ومصر وتونس والمغرب وحتى دول الخليج نفسها.
ومؤخرا مع نهاية نوفمبر الماضي ومع بداية كأس العالم في الدوحة قطر، وقعت الصين عقد لتصدير الغاز المسال القطري لمدة (23 عاما) والذي يؤمن بدوره تفوق الصين على كل من (أمريكا وأوروبا) في مبادراتها طريق الحرير ومشاريعها، بسبب تأمين الطاقة اللازمة لهذه المشروعات ولمدد طويلة الأمد، ويبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي (19 مليار دولار) بل وصدرت الصين إحدى دبلوماسييها (دب الباندا) ليرافق افتتاح كأس العالم وليكون دليل على قوة الشراكة ما بين البلدين.
وهنا توفر السعودية الطاقة للجانب الصيني، بينما هي في نفس الوقت تتفق مع روسيا من خلال أوبك بلس في تقليص حجم الإنتاج بداية من نوفمبر الماضي بحوالي (2 مليون برميل يوميا) للحفاظ على الأسعار بالقيمة السوقية، لتعويض خسائر فترة الإغلاق أثناء وباء كورونا، وكذلك التحايل على أي سقف يفرض على أسعار النفط الروسي.
وعليه فـ العالم العربي بقوة الطاقة التي يمتلكها يساهم بإيجابية في مخاض النظام العالمي الجديد الذي يحترم كل الشركاء المؤسسين له حيث يعمل لمفهوم (مكسب + مكسب)، وخصوصا مع استياءه من الهيمنة الغربية على مقدرات موارده والتي أضر بها أثناء الحرب السورية لضرب صادرات النفط الروسية والإيرانية، وكانت النتيجة سلبية على مصدري النفط الكبار في العالم العربي.
أيضا من أهم الموضوعات التي سيناقشها الجانب الصيني مع العربي في قمتيه مع كل من (الخليج والعالم العربي) مبادرة الطريق والحزام ودور العالم العربي فيه حيث ستقوم الصين بمشروعات تطوير كبيرة في اللوجستيات ومنها موانيء كبرى في مصر والجزائر وعمان في منطقتنا وفي عدة دول عربية – تجعل من المنطقة العربية ملتقى عالمي للتجارة واللوجيستيات، بسبب ما يمتاز به العالم العربي من توافر مصادر الطاقة الأحفورية والطاقة المتجددة، وكذلك موقع العالم العربي ومكانه المميز الذي يمكنه أن يربط بين ثلاث قارات بسهولة.
ستوقع عقود ومذكرات تفاهم كبيرة في مجال التكرير والطاقة النووية والطاقة المتجددة والكهرباء وذلك لتكامل رؤية الصين 2030 مع رؤية العالم العربي في هذا الصدد بما سيخلق مشروعات وفرص عمل وتبادل خبرات بين الجانبي (حسب ما جاء على موقع جلوبال تايمز).
وبالنسبة للأمن الإقليمي، وفقا لتقرير صادر عن وزارة الخارجية الصينية بعنوان “التعاون الصيني العربي في العصر الجديد” فإن كل من الصين والدول العربية تدعو إلى احترام السيادة والاستقلال وسلامة الأراضي وعدم الاعتداء المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض. وتدعو إلى المساواة والمنفعة المتبادلة والتعايش السلمي. وأشار التقرير إلى أنهما يعارضان التدخل الخارجي وجميع أشكال الهيمنة وسياسة القوة.
إلا أنني أيضا أشدد دائما على نقل التكنولوجيا أو الشراكة التكنولوجية، وخصوصا في مجال الاتصالات والاقمار الصناعية والرقمنة والتحول الرقمي والحوكمة. تلك المجالات التي تتفوق فيها الصين، وكذلك الشراكة في محركات البحث الصينية على سبيل المثال (بايدو) استعدادا للمستقبل، والذي سيكون له أثر كبير في التعاون على مستوى الشباب والبحث العلمي ومراكز الفكر بين الطرفين العربي والصيني.
فهل العرب استعدوا أيضا بملفات الرقمنة والذكاء الصناعي للشراكة مع الجانب الصيني كما استعدوا بملفات الطاقة والبنى التحتية؟ نرى أن هذه فرصة كبيرة ويتوجب استغلالها.

عبدالله رجب الشريف

كاتب صحفي حر عاشق تراب الوطن مبدع في بلاط صاحبة الجلالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى