مقالات

المدير التنفيذى للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة يؤكد أن الأمر بالمعروف من أدلة صدق التجارة مع الله

 

بقلم \ الكاتب و المفكرالعربى الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
رئيس تحرير جريدة الأمة العربية ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
مما لا شك فيه أن من أهم دعائم منهج الإصلاح في الإسلام دعامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولسنا في حاجة إلى أن نبين معنى المعروف أو المنكر؛ إذ إن من المعلوم أن المعروف هو:
1 ما أمر به الشرع وحث عليه واستحب فعله وعرف ذلك من الكتاب والسنة، والمنكر: هو ما أنكر الشرع قوله أو فعله فحرمه ونهى عنه.
ولقد أولى الإسلام الاهتمام الأكبر بتلك الدعامة الإصلاحية ويتجلى لنا ذلك في:
أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإيمان بالله مقومات خيرية هذه الأمة، فقد بين الحق -تبارك وتعالى- أن أمتنا المسلمة هي خير أمة أخرجت للناس وبين سبحانه أن هذه الخيرية عائدة إلى أسباب ثلاثة، يقول تعالي: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) (110) (آل عمران).
وقد صدرت الآية الكريمة بقوله تعالي: كنتم ولا يخفى أن الفعل كان هنا يدل على الاستمرارية والثبات والتوكيد ثم بين سبحانه مقتضيات هذه الخيرية ومقوماتها فى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله وهنا نحب أن نلفت النظر إلى أمرين مهمين:
أولهما: أن الآية الكريمة ذكرت هذه المقومات الثلاثة بصيغة الفعل المضارع دون الماضي أو الأمر فكأنها تريد أن تقول: إن هذه المقومات كائنة فعلاً في هذه الأمة ثابتة معها متجددة بتجدد الزمان.
ثانيهما: تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله تعالى، وهذا يبرز أهميتهما وأنهما من الإيمان بمنزلة الدليل وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما السبيل لتحقيق الإيمان بالله ونشره، ومن ثم ربط النبي -صلى الله عليه وسلم- بين وجود الإيمان ووجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكل منها يستلزم الآخر وذلك فيما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه حيث يقول -صلى الله عليه وسلم-: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).
ففي هذا الحديث يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- كل مسلم ومسلمة إذا رأى منكراً أن يغيره ومن المهم هنا أن ننبه إلى سر التعبير بالفعل (يغيره) دون يدمره مثلاً إذ التغيير يتطلب هدماً وبناءً وربما استغرق وقتاً فقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا التغيير باليد إذا كان ذلك المنكر في المكان الذي للإنسان عليه ولاية كأن يكون في بيته أو من بعض أبنائه فإن لم يكن كذلك طالب بتغييره بلسانه فإن عجز عن الكلام وقت المنكر أنكر بقلبه وزال عنه.
ثانياً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما سبب الفلاح في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران (104) فقد لخصت هذه الآية الكريمة كل أسباب الفلاح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثالثاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات كل مؤمن ومؤمنة يدل على هذا قوله تعالي: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) (التوبة 71) فقد جعل الله تعالى من صفات المؤمنين والمؤمنات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك في مواجهة المنافقين والمنافقات الذين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ولا عجب فقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الدين كله هو النصيحة، وذلك في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الدين النصيحة: قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) أخرجه مسلم.
كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه قال -صلى الله عليه وسلم-: ((بلغوا عني ولو آية)) وهذا البلاغ لا يتعدى كونه أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر، وبناءً على هذا قسم علماء الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى قسمين:
القسم الأول: واجب على كل مسلم ومسلمة على حسب ما يعلم وفي حدود إمكاناته وتكون فيما علم من الدين بالضرورة.
القسم الثاني: ويكون فيما دق من فروع الشريعة؛ وذلك النوع يقوم به الفقهاء المتخصصون والدعاة المؤهلون ويدخل تحته دعوة غير المسلمين إلى الإسلام ورد شبههم، وفي هذا النوع يقول تعالي: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (التوبة (122).
رابعاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أدلة صدق التجارة مع الله فقد أخبر تعالى عن المؤمنين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله عز وجل بقوله: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين) (التوبة (112).
أثر المنكر على المجتمع:
بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أثر المنكر على المجتمع أثر وبيل، وأنه إذا لم يوجد من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هلك المجتمع كله.
فقد سألت زينب بنت جحش -رضي الله عنها- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: “أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)) أخرجه مسلم.
آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
ويجب على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن يلتزموا آداب الإسلام:
1 – ضرورة الإخلاص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن يكون الآمر الناهي مبتغياً بعمله وجه الله لا زعامة ولا رئاسة ولا شهرة.
2 – أن يكون قدوة لغيره فلا ينهى عن المنكر ويفعله، وقد حذر الإسلام من ذلك كل التحذير.
3 – أن يختار الوقت والمكان والكلام المناسب؛ ولذلك قدم الله الحكمة في مجال الدعوة فقال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة) (النحل: 125).
4 – أن يلتزم بالقول اللين وبشاشة الوجه عندما يأمر أو ينهى، وقد قال تعالى لموسى وهارون -عليهما السلام- عندما أمرهما بالذهاب إلى فرعون: (فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى) (طه:44).
وقد عاتب الله إمام الدعاة -صلى الله عليه وسلم- لعبوسه في وجه أعمى لم ير عبوسه. وأدلة ذلك مبسوطة في الكتاب والسنة.
ألا ما أحوج الأمة إلى أن تصلح نفسها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تنهض برسالتها التي خلقت لها فهي المبصر الوحيد في عالم من العميان، وهي المصباح الوحيد في عالم مظلم.

عبدالله رجب الشريف

كاتب صحفي حر عاشق تراب الوطن مبدع في بلاط صاحبة الجلالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى