مقالات

التعليم الفني المزدوج وبناء الاقتصاد الأخضر

التعليم الفني المزدوج وبناء الاقتصاد الأخضر

بقلم :الدكتورة شيرين عيد مرسي مشرف أستاذ اصول التربيه المساعد كليه التربيه جامعه بنها

يعد الاقتصاد الأخضر وسيلة لتحقيق التنمية المستدامة والمحرك الرئيس لها من خلال تحقيق التكامل بين أبعادها الثلاثة: الاقتصادية الاجتماعية والبيئية؛ إذ يسهم في ايجاد التوازن بين احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية وتحسين رفاه الإنسان، وتعزيز العدالة الاجتماعية وايجاد فرص العمل وتوفير العمل اللائق للجميع، والحد من الفقر.
وتأسيسًا علي ذلك اتجهت العديد من المؤتمرات الدولية والعربية نحو دعم بناء الاقتصاد الأخضر وتعزيز متطلبات الانتقال إليه، والتي بدأت بقمة الأرض في ستوكهولم عام (۱۹۷۲)، و تعتبر هذه القمة صوت العالم للمحافظة علي الموارد الطبيعية وحسن إدارتها وضمان تحقيق اقتصاد أخضر يخدم الاعتبارات البيئية في كل بلدان العالم، وكان آخرها قمة الأرض ريو 20 + للتنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر المنعقد في يونيو 2012م تحت عنوان رئيس( الاقتصاد الأخضر هل أنت مشارك ) الذي أسفر عن وثيقة ختامية سميت “بالمستقبل الذي نصبو إليه”، حيث صنف الاقتصاد الأخضر ضمن الاهتمامات الدولية ذات الأولوية. وترتب على هذه المؤتمرات عقد اتفاقيات وإصدار قوانین ومعايير ولوائح من خلال المسئولين وصانعي السياسات في جميع أنحاء العالم للتعامل مع قضايا الاستدامة ومشكلاتها.
ولم تكن مصر بعيده عن هذه الاهتمامات والمبادرات فقد توجهت بجهود محمودة للانتقال للاقتصاد الأخضر، منها ما قامت به وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري بالتعاون مع وزارة البيئة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ومركز البيئة والتنمية للمنطقة العربية، بوضع تقرير يتضمن أهدافا استراتيجية للتحول نحو الاقتصاد الأخضر لتحقيق نمو اقتصادي مستدام يؤدي إلي تحسين حياة البشر والإنصاف الاجتماعي. واستحداث فرص عمل إضافية ناتجة عن المزج بين التعليم والتدريب أي بين تلقي المعلومات الأكاديمية والتطبيقات العملية والتدريب في مواقع العمل، وتشجيع الابتكار وتنمية الطلب في الأسواق على السلع والخدمات الخضراء، والابتكارات التكنولوجية. وحماية البيئة من خلال تحفيز وتنويع مصادر الإنتاج وجذب مزيد من الاستثمارات بما يسهم في رفع مستوي دخل الفرد ومكافحة الفقر، مع ضمان الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية.
وحديثًا شاركت وزارة التعليم الفني في الاحتفال بيوم البيئة الوطني للعام 2020م، تحت شعار “التحول للأخضر طريق للاستدامة” باعتباره نموذج جديد من نماذج التنمية الاقتصادية سريعة النمو في الدخل والعمالة، يهدف إلى رفع الوعي لدي فئات المجتمع المختلفة بأهمية الحفاظ على البيئة، وضمان مواردها الطبيعية، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد وإيقاف التدهور البيئي وتصحيح الاختلالات البيئية والمشاكل البيئية المشتركة واستخدامها بطريقة مستدامة بما يعود بالنفع على كافة المستويات.
وهكذا أصبح الاقتصاد الأخضر سواء على المستوي الدولي أو المحلي ضرورة ملحة في ظل التحديات البيئية والأزمات التي يمر بها العالم.
وإذا كان النظام التعليمي يشكل محورًا أساسيًا من محاور هذه التنمية في أي اقتصاد ويرتبط ارتباط مباشر باحتياجات المجتمع وتطوره، وإذا كان التكامل بين التعليم وسوق العمل أحد الأهداف الهامة التي تحرص عليها الحكومات المختلفة باعتبارهما قطاعين غير متنافسين ومتكاملين هدفهما تحقيق التقدم الاقتصادي، وخاصة الشراكة بين التعليم وسوق العمل لتحسين النظام التعليمي والتدريبي والمهني، فإن محاولة الفصل بينهما تعني فصل حلقة الوصل بين سلسلة العمل والتعليم والإنتاج وإحداث الخلل في الوضع الاقتصادي والذي ينعكس بدوره علي الواقع السياسي والاجتماعي والأمني لأي مجتمع.
ولذا تزايد الاهتمام بالتعليم الفني المزدوج، الذي أصبح يحتل موقعًا مركزيًا في الإصلاحات التنموية، باعتباره الرصيد الاستراتيجي الذي يغذي المجتمع بكل احتياجاته من الكوادر البشرية التي يحتاج إليها للنهوض بأعباء التنمية المختلفة.
وفي الآونة الأخيرة ازدادت أهميته استجابة للتغيرات الاجتماعية، والاقتصادية التي شهدتها مصر، والتي نتجت عن التقدم العلمي والتكنولوجي في مختلف الميادين؛ مما أثر علي هيكل العمالة في سوق العمل فاختفت مهن، وظهرت أخري، وتناقصت الحاجة إلي العمالة اليدوية محدودة المهارة، فضلاً عن عزوف التلاميذ عن الالتحاق ببرامج التعليم الثانوي المهني والفني ومساراته، ودخول نسب عالية من مخرجات التعليم العام ممن لم يكملوا التعليم الجامعي إلي سوق العمل دون أي خبرة أو مهارة مهنية أو حرفية، مما أدي إلي ضعف المستوي المهني لقوة العمل، الأمر الذي قاد إلي انخفاض نسبي لقدرة التنافس في الاقتصاد العالمي، وتزايد حاجة سوق العمل إلي قوي عاملة متعددة المهارات تشمل العمال المهرة والمهنيين والفنيين ، تتسم بالمرونة والقدرة علي التكيف السريع مع سوق العمل ، والعمل ضمن فريق ، وغير ذلك من الأمور التي تقع تبعيتها علي عاتق نظام التعليم الفني المزدوج. ، وهو من أحدث برامج سوق العمل في مصر حيث يهدف إلي ربط التعليم بواقع الحياة وبالعمل وتلبي مخرجاته الاحتياجات الفعلية لسوق العمل من الكفايات المهنية المحلية والعالمية من جهة، وحاجات المجتمع الاقتصادية والثقافية والحضارية من جهة أخري، وكذا الارتفاع بالقدرات التنافسية حتي يمكن مواكبة ما يحدث في العالم من تطور مستمر
ويأتي ذلك تماشيًا مع توجه الدولة الذي انعكس في دستور 2014م، حيث نصت المادة (20)، على أن تلتزم الدولة بتشجيع التعليم الفني والتقني والتدريب المهني وتطويره، والتوسع في أنواع التعليم الفني كافة، وتوفير العمالة المؤهلة بما يتناسب مع معايير الجودة العالمية، وبما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل، وهو ما يربط التعليم والتدريب بالتشغيل، ومن ثم فإن توظيف هذه الفئة من الخريجين تتزايد، ويستند النهج الرئيس للنظام المزدوج على تدريب الخريجين وفقا لاحتياجات سوق العمل الفعلي،
وتأكيدًا للعلاقة الوثيقة بين التعليم الفني المزدوج والاقتصاد الأخضر فقد ناقشت هيئة اليونسكو في أكتوبر عام ۲۰۱۱ م في الاجتماع التشاوري حول التعليم الفني المهني ” نظم التدريب لمواجهة تحديات الاقتصاد الأخضر.
كما سلط برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، الضوء على الحاجة إلى مراجعة المناهج التعليمية الدراسية والبرامج التدريبية التي تعزز العمليات التي تشمل الأنظمة والتصميم الصديق للبيئة والمنتجات والخدمات للمساعدة في توفير أعداد كبيرة من المهنيين ذوي المهارات المطلوبة.
كما أشار تقرير التنافسية للعام 2012/2013م، إلى أن قوة العمل غير المؤهلة بالتعليم المناسب تشكل ثالث أخطر مشكلة بعد نقص التمويل ونقص الكفاءة فيما يتعلق بالعمل في مصر.
وحديثا أشارت الأهداف التنفيذية لبرنامج التعليم الثانوي الفني ضمن برنامج الخطة الاستراتيجية للوزارة في العام 2016/2017م، والمرتبطة بتحقيق التكامل بين الأبعاد الثلاثة للتنمية (الاجتماعية-الاقتصادية –البيئية) إلي تحويل مدارس التعليم الفني إلي تعليم قائم علي التعليم والتدريب المزدوج في إطار مدرسة في كل مصنع، مع إصدار القواعد المنظمة بين إدارة المدرسة والمؤسسات الإنتاجية في المجتمع المحلي، وأوصت بضرورة التوسع في خطوط الإنتاج الاقتصادية في إطار مبادرة مصنع في كل مدرسة ، مع توفير آليات التسويق المناسبة في إطار مشروع رأس المال بعد تعديل ما يلزم من القوانين المنظمة.
واتضح أن التعليم الفني المزدوج بكل ما يحمله من تخصصات مختلفة، يمكن أن يسهم في تحقيق مفهوم الاقتصاد الأخضر الذي هو أداة للتنمية المستدامة، بما يسهم في تحقيق الجهود الرامية لتطبيق هذا المفهوم.

عبدالله رجب الشريف

كاتب صحفي حر عاشق تراب الوطن مبدع في بلاط صاحبة الجلالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى